كفى أيها المتنزهون!
سامي بن محمد العمر
كفى أيها المتنزهون!
أما بعد:
في كل مرةٍ يسحرك فيها جمال الأجواء، وغيوم السماء، وما تلبسه الأرض من سربال الروعة والبهاء، فتعزم فيها على الذهاب لنزهةٍ بريةٍ تهرب فيها النفوس المثقلة بهمومها ومشاغلها إلى التنزه والترويح، والاستجمام والاستئناس، والعودة إلى أحضان الطبيعة كما خلقها الله؛ بشمسها الدافئة، وجبالها الشامخة، وسهولها المُعشِبة، وأوديتها الجارية؛ {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]
{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60]
فالمناظر ذاتُ البهجة تبعث في القلبِ السرورَ والفرحَ والنشاطَ والحيويةَ، وتأملُّ ما فيها من بديع خلق الله كفيل بإحياء عظمة الله في النفوس، وتدبرُ دقة ما فيها من الإتقان كافٍ في زيادة الإيمان وتجديد التوحيد.
وهذا الخروج إلى السهول والفياض أمرٌ درج عليه الناس من قديم الزمان؛ فهاهم إخوة يوسف يقولون لأبيهم: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12] أي: يتنزه في البرية ويستأنس([1]).
وعن شريح الحارثي قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدو؟ [أي: يخرج إلى البادية] قالت: نعم، كان يبدو إلى هذه التلاع.([2])[أي: ما ارتفع من الأرض وسالت منه المياه].
ولا يخفى أن "الصعود على التلاع والجبال أبلغ في ترويح القلب واتساعه، ورؤية آيات الله تعالى في الآفاق"([3])، وأن في الاستظلالِ تحت الأشجار الكبيرة، وصنعِ الطعام والمرحِ واللعبِ في الرياض الوفيرة؛ متعةً ولذةً تدفع إلى شكر الله على رحمته في نزول الأمطار والفرح بها والاستبشار.
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 48 - 50].
ولكن..
ولكن في كل مرةٍ؛ تجد أنه قد سبقك لتلك الرياض فئامٌ تركبُ مركبَ الجهلِ والظلمِ والأنانية؛ عاثيةً في الأرض الفساد، باغيةً على البلاد والعباد، لا ترى إلا متعةَ نفسها، وسعادةَ لحظتها ووقتها، جاهلةً بأسهلِ آدابِ الإسلام في النظافة والعناية والرعاية، والإبقاءِ على جمالِ ما استمتعوا به، وروعةِ ما استجمُّوا فيه.
وهؤلاء ما أبعدهم عما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ([4]).
وما أقربهم من قوله تعالى {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].
أما ترون عدوانهم على الأشجار التي يُستظل بها؛ وظلمَهم لأنفسهم ولغيرهم حين جهلوا ما يُحَسِّنُه بعض أهل العلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قطع سِدرةً صَوَّب الله رأسه في النار» رواه أبو داود وقال: "هذا الحديث مختصر، يعني: مَن قطع سدرة في فلاةٍ يَستظِلُ بها ابنُ السبيلِ والبهائمُ: عبثا وظلما، بغير حق يكون له فيها؛ صوب الله رأسه في النار"([5]).
أيعجِزُ أحدهم أن يجمع قمامته وباقي فضلات طعامه بعدما ينتهي، ويبتعد بها عن الأشجار المظلة والأماكن الوارفة؛ ليحمي عرضه من كلام الناس ولعناتهم؟
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ [أي: الأمران الجالبان للعنات الناس على فاعلهما]، قيل: وما اللاَّعِنانِ؟ قال: الذي يتَخَلَّى في طريق الناس أو ظِلِّهم»([6]).
نسأل الله السلامة والعافية
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
أما بعد:
عباد الله:
الخروج للبرية يتضمن مسائلَ شرعيةً كثيرةً يُرى من البعض تساهل فيها وتقصير لا بد من التنبه له:
ومن ذلك: الإهمال في الوضوء والمبادرة للتيمم دون حاجة ولا ضرورة، وتركُ الأذان، وقصرُ الصلاة وجمعُها دون تحقُقٍ من وجودِ سببٍ مبيحٍ لذلك.
ومن ذلك: أن الله حرم علينا أن نتعرض لما فيه ضررنا وهلاكنا... وذهاب أرواحنا.
فما ترونه من جرأة البعض على خوضِ السيول الجارفة، والتعرضِ للأخطار ليس من دين الله في شيء {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]
كما أن مجاهرة البعض بالمعاصي والغناء والتبرج والسفور في أماكن النزهة والبراري تبديلٌ لنعمة الله كفرا... وإحلالٌ للقوم دار البوار.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28].
وإن الجرأة على تخريب البيئة وتدمير الطبيعة مؤذِنٌ بظهور الفساد وتبدل الأحوال؛ كما قال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
فكفى أيها المتنزهون عبثاً وتخريباً، وهيا بنا إلى مزيد من الوعي والعلم والعدل، ولنفرح جميعاً ولنستبشر جميعاً، ولنسعد جميعاً، ولنتبادل الدعوات بدل اللعنات.
{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.....
([1]) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 394)
([2]) رواه أحمد (24307) وغيره، وصححه محققو المسند.
([3]) شرح سنن أبي داود لابن رسلان (11/ 15).
([4]) البخاري (13) ومسلم (45).
([5]) أبو داود (5239) (4/361).
([6]) مسلم (269).
المرفقات
1767892251_كفى أيها المتنزهون.docx
1767892264_كفى أيها المتنزهون.pdf