مَاذَا فَعَلَ الأَسِيرُ ؟ 27 رَجَب 1447هـ

محمد بن مبارك الشرافي
1447/07/25 - 2026/01/14 15:13PM

مَاذَا فَعَلَ الأَسِيرُ ؟ 27 رَجَب 1447هـ

الْحَمْدُ للهِ الذِي كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وَتَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا, وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَكان الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْرِفُوا لِكِتَابِ رَبِّكُمُ –الْقُرْآنِ- حَقَّهُ, وَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَاعْتَبِرُوا بِعِظَاتِهِ .

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اسْتَمِعُوا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ), فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ) قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ (مَا هِيَ؟) قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟) قَالَ: لاَ، قَالَ (ذَاكَ شَيْطَانٌ), رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّهَا أَعْظَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ, إِنَّهَا آيَةُ الكُرْسِيِّ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}, عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}, فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ (وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَهَذِهِ الآيَةُ الْعَظِيمَةُ فِيهَا عَشْرُ جُمَلٍ, كُلُّ جُمْلَةٍ لَهَا مَعْنَى عَظِيمٌ جِدًّا, قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ سِعْدِيّ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّها اشْتَمَلَتْ عَلَى تَوْحِيدِ الْإِلَهَيِّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَعَلَى إِحَاطَةِ مُلْكِ اللهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ وَسِعَةِ سُلْطَانِهِ وَجَلَالِهِ وَمَجْدِهِ، وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِمُفْرَدِهَا عَقِيدَةٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَا.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: تَعَالَوْا نَتَأَمَّلُ شَيْئًا مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الآيَةِ الْعَظِيمَةِ, فَقَوْلُهُ  سُبْحَانَهُ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أَيْ: هُوَ اللهُ الإِلَهُ الْمَعْبُودُ حَقًّا, الذِي لا يَسْتَحِقُّ الْأُلُوهِيَّةَ وَالْعُبُودِيَّةَ إِلَّا هُوَ.

وَقَوْلُهُ عزَّ وَجَلَّ {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أَيْ : هُوَ الْحَيُّ الذِي لَهُ الْحَيَاةُ الْكَامِلَةُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ, وَهُوَ الْقَيِّمُ لِغَيْرِهِ, فَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مُحْتَاجٌ للهِ فِي إِيجَادِهِ وَإِعْدَادِهِ وَبَقَائِهِ وَحِفْظِهِ, وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} أَيْ: لا يَعْتَرِيهِ نَوْمٌ طَوِيلٌ وَلا نُعَاسٌ قَصِيرٌ, وَذَلِكَ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَشُمُولِ قَيَّومِيَّتِهِ, وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْحَيَّ الْقَيَّوُمَ هُمَا اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ الذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ, وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا جَامِعَانِ لِكَمَالِ الْأَوْصَافِ وَالْأَفْعَالِ.

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}, الْمَعْنَى: أَنَّهُ مَلَكَ الْعَالَمَ كُلَّهُ عُلُوِيَّهُ وَسُفْلِيَّهُ, قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ, فَكُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ خَلْقًا وَمُلْكًا وَتَدْبِيرًا, فَهُوَ الْمَالِكُ وَمَا سُوَاهُ مَمْلُوكٌ, وَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ وَغَيْرُهُ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلا لِغَيْرِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.

وَقَوْلِهِ تَعَالَى {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}, أَيْ: لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ كَائِنٌ مِنْ كَانَ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللهِ لِأَحَدٍ يَجْلِبُ لَهُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا, إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَالشَّفَاعَةُ كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَ مَنْ يَشَاءُ أَحَدًا أَذِنَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أَيْ: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحِيطٌ عِلْمِهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خاَفِيَةٌ وَلا تَغِيبُ عَنْهُ ذَرَّةٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ, يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ, وَيَعْلَمُ مَا خَلْفَنَا مِمَّا مَضَى, فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}, الْمَعْنَى: أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ فِي ذَاتِهِ وَلا فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا إِذَا أَعْلَمَهُمْ, وَكَذَلِكَ فَلا أَحَدَ يَحْصَلُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَلا الْكَوْنِيَّةِ إِلَّا إِذَا عَلَّمَهُ اللهُ.

وَقَوْلُهُ سُبْحَانُهُ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}, أَيْ : أَنَّ كُرْسِيَّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمٌ جِدًّا, حَتَّى إِنَّهُ يَتَّسِعُ لِلسَّمَوَاتِ وَللْأَرَضِينَ كُلِّهَا, وَالْكُرْسِيُّ هُوَ مَوْضِعُ قَدَمِيِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ, وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أَنَّه مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يُقَدِّرُ قَدْرَ عَرْشِهِ إِلَّا اللَّهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ  الذَّهْبَيُّ, وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفْسِيرِهِ : وَالْكُرْسِيُّ لَيْسَ أَكْبَرَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ هُنَاكَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَهُوَ الْعَرْشُ، وَمَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُو، وَفِي عَظَمَةِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ تَحَارُ الْأَفْكَارُ وَتَكَلَّ الْأَبْصَارُ ... فَكَيْفَ بِعَظَمَةِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا، وَالذِي أَوْدَعَ فِيهَا مَا أَوْدَعَ مِنَ الْحُكْمِ وَالْأَسْرَارِ.

وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}, الْمَعْنَى:  أَنَّهُ مَعَ عَظَمَةِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاتِّسَاعِ الْعَالَمِ فَلا يُثْقِلُهُ وَلا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ ذَلِكَ. {وَهُوَ الْعَلِيُّ} الذِي لَهُ الْعُلُوُّ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَدْرِهِ وَقَهْرِهِ, وَهُوَ {الْعَظِيمُ}, أَيْ: ذُو الْعَظَمَةِ التَّامَّةِ فِي ذَاتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَصِفَاتِهِ, الذِي تَتَضَاءَلَ عِنْدَ عَظَمَتِهِ جَبَرُوتُ الْجَبَابِرَةِ، وَتَصْغُرُ فِي جَانِبِ جَلَالِهِ أُنُوفُ الْمُلُوكِ الْقَاهِرَةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ الْعَظَمَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ الْجَسِيمَةُ وَالْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ ... أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغِفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

        

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاعْلَمُوا أَنَّ آيَةَ الكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَشْرَعُ لَنَا قِرَاءَتُها عِنْدَ النَّوْمِ, فَمَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ النَّوْمِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ, وَهَذَا حِرْزٌ عَظِيمٌ, فَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِه, وَيَنْبَغِي كَذَلِكَ تَعْلِيمُهَا لِأَهَالِينَا وَأَوْلادِنَا لَيَتَحَرَّزُوا بِهَا مِنَ الشَّيْطَانِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُشْرَعُ قِرَاءَةُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ مَفْرُوضَةٍ, فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَلْبَانِيّ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنِ اسْتَمَعَ القَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَه, اللَّهُمَّ أَتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ, اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا وَأَصْلِحْ لَنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنا وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ, اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ, اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ, اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بِطَانَتَهُمْ وَوُزَرَاءَهُمْ يَا رَبَّ العَالمَينَ, اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.

المرفقات

1768392815_مَاذَا فَعَلَ الأَسِيرُ ؟ 27 رَجَب 1447هـ.pdf

المشاهدات 752 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا