مشاهد من نعيم الجنة وطريق الوصول إليها.
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
1447/07/26 - 2026/01/15 22:40PM
مَشَاهِدُ مِنْ نَعِيمِ الجَنَّةِ وَطَرِيقُ الوُصُولِ إِلَيْهَا
🕌 الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَتَحَ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ أَبْوَابَ الرَّجَاءِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ دَارًا تُجْبَرُ فِيهَا الكُسُورُ، وَتُغْفَرُ فِيهَا الزَّلَّاتُ، وَتَسْكُنُ فِيهَا الأَرْوَاحُ سُكُونَ مَنْ وَجَدَ مُنْتَهَى الأَمَانِي.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرَ المُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ تَوْبَةَ المُنِيبِينَ، وَأَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ المُقَصِّرِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وَحَذَّرَ مِنْ دَارِ الآلَامِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَجِسْرٌ إِلَى الجَنَّةِ، وَنُورٌ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.
ثُمَّ اسْمَعُوا نِدَاءَ القُرْآنِ بَعْدَ الأَمْرِ بِالتَّقْوَى، نِدَاءً يَجْمَعُ بَيْنَ تَخْوِيفٍ يُنْقِذُ، وَتَرْغِيبٍ يُحْيِي، يقول تعالى:
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِنَّ الدُّنْيَا—وَإِنْ ضَحِكَتْ—فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ لِأَحَدٍ ضَحِكَةَ دَوَامٍ، وَإِنْ أَعْطَتْ فَإِنَّهَا تَسْتَرِدُّ، وَإِنْ زَيَّنَتْ فَإِنَّهَا تَغُرُّ. تُعْطِي لَذَّةً ثُمَّ تُتْبِعُهَا وَجَعًا، وَتَمْنَحُ فَرَحًا ثُمَّ تُلْحِقُهُ حَسْرَةً.
وَلِذَا كَانَ الحَدِيثُ عَنِ الجَنَّةِ—عِبَادَ اللَّهِ—سُلْوَةَ الأَحْزَانِ، وَحَيَاةَ القُلُوبِ، وَحَادِي النُّفُوسِ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ دَارٍ إِذَا دَخَلْتَهَا نَسِيتَ كُلَّ تَعَبٍ مَرَّ بِكَ.
تَخَيَّلْ نَفْسَكَ—يَا عَبْدَ اللَّهِ—فِي سَاعَةٍ يَضِيقُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ. يَنْقَطِعُ صَوْتُ الدُّنْيَا مِنْ حَوْلِكَ، وَتَبْقَى أَعْمَالُكَ هِيَ الصَّوْتَ الوَحِيدَ. هُنَاكَ يَسْأَلُ القَلْبُ سُؤَالَهُ الأَكْبَرَ: أَإِلَى أَيْنَ؟
وَيَأْتِي الجَوَابُ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ: إِمَّا نَارٌ—نَعُوذُ بِاللَّهِ—وَإِمَّا جَنَّةٌ هِيَ دَارُ الأَحْلَامِ وَمُنْتَهَى الأُمْنِيَاتِ.
هُنَاكَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْدًا، وَيُسَاقُ أَهْلُ الإِيمَانِ إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا. تَتَقَدَّمُ القُلُوبُ قَبْلَ الأَقْدَامِ، تَتَسَابَقُ الدُّمُوعُ مَعَ الدَّعَوَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ لَيْسَ فِي القَائِمَةِ… حَتَّى يَسْمَعَ النِّدَاءَ الَّذِي يَمْسَحُ كُلَّ رُعْبٍ:
﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
ثُمَّ يُقَالُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.
تُحْبَرُونَ… أَيْ تُكْرَمُونَ، وَتُسَرُّونَ، وَتُزَفُّونَ إِلَى نَعِيمٍ لَا يَفْنَى.
هُنَاكَ—وَاللهِ—تَسْقُطُ مِنَ القَلْبِ كُلُّ أَوْزَانِ الدُّنْيَا؛ لَا دَيْنٌ يُقْلِقُ، وَلَا وَجَعٌ يُؤْلِمُ، وَلَا فَقْدٌ يُحْزِنُ، وَلَا جُوعٌ وَلَا عَطَشٌ، وَلَا حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ، وَلَا تَعَبٌ وَلَا سَهَرٌ.
أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي الجَنَّة…
أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي الجَنَّة…! لَيْسَتْ خُطْوَةَ قَدَمٍ، بَلْ خُطْوَةَ قَلْبٍ
هِيَ لَحْظَةٌ تَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ أَثْقَالِ الدُّنْيَا،
وَيُغْلَقُ آخِرُ بَابٍ لِلْحُزْنِ،
وَيُقَالُ لَكَ:
لَا خَوْفٌ بَعْدَ الْيَوْمِ… وَلَا حُزْنَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي الْجَنَّةِ
تقول أَنَّ كُلَّ تَعَبٍ مَرَرْتَ بِهِ
كَانَ يَقُودُكَ إِلَى هُنَا.
ثُمَّ تَسْمَعُ النِّدَاءَ الَّذِي يَمْسَحُ الْقَلْبَ مَسْحًا:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾
هُنَاكَ تَعْرِفُ…
أَنَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي الْجَنَّةِ
هِيَ نِهَايَةُ كُلِّ أَلَمٍ، وَبِدَايَةُ خُلُودٍ لَا يَنْتَهِي.
أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُهَا عَلَى صُورَةِ القَمَرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ؛ قُلُوبٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبَاغُضَ فِيهَا وَلَا تَحَاسُدَ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَزَعَ مَا فِي الصُّدُورِ مِنْ غِلٍّ:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
وَصَوْتُ الجَنَّةِ لَا يَعْرِفُ اللَّغْوَ:
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.
وَتَسْمَعُ نَغْمَةَ أَهْلِهَا الدَّائِمَةَ:
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
لَحْظَةُ اللِّقَاءِ…
لَحْظَةٌ تَسْكُتُ فِيهَا كُلُّ جِرَاحِ الدُّنْيَا.
تَرَى مَنْ افْتَقَدْتَهُمْ هُنَاكَ…
أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا، قَرِيبًا أَوْ حَبِيبًا،
تَعُودُ الوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ صُوَرًا فِي الذِّكْرَى… أَحْيَاءَ أَمَامَكَ.
لَا عِتَابَ، وَلَا دُمُوعَ فِرَاقٍ،
دُمُوعٌ هِيَ فَرَحٌ خَالِصٌ،
وَحَمْدٌ طَوِيلٌ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُضِعِ اللِّقَاءَ.
ثُمَّ يَكْتَمِلُ النَّعِيمُ… بِلِقَاءِ نَبِيِّكَ ﷺ،
فَتَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ كُنْتَ تُكْثِرُهَا فِي الدُّنْيَا
كَانَتْ مَوْعِدًا لِهٰذِهِ اللَّحْظَة.
هُنَاكَ تَقُولُ القُلُوبُ قَبْلَ الأَلْسِنَةِ:
يَا رَبِّ… مَا ضَاعَ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الصَّبْرُ إِلَّا جَسْرًا لِهٰذَا اللِّقَاءِ.
غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَأَنْهَارٌ تَجْرِي فِي أَرْضٍ لَا يَفْسُدُ مَاؤُهَا، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ؛ وَعَرْشُ الرَّحْمٰنِ سَقْفُهَا، وَتُرْبَتُهَا طِيبٌ وَمِسْكٌ وزعفران، وَفِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ، وَفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ.
وَلِهٰذَا قِيلَ فِي مَعْنًى بَلِيغٍ تَتَلَقَّاهُ القُلُوبُ قَبْلَ الآذَانِ:
«لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الجَنَّةِ إِلَّا الأَسْمَاءُ».
فَالتَّشَابُهُ—عِبَادَ اللَّهِ—فِي اللَّفْظِ لَا فِي الحَقِيقَةِ؛
فَنَعِيمُ الدُّنْيَا مَهْمَا ازْدَهَرَ فَإِنَّهُ نَاقِصٌ مَحْدُودٌ،
وَنَعِيمُ الجَنَّةِ كَامِلٌ مَوْفُورٌ، لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَهٰذَا المَعْنَى—عِبَادَ اللَّهِ—يَزْدَادُ جَلَاءً وَوُضُوحًا بِكَلَامِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ، حِينَ يَضَعُ لَنَا مِيزَانَ الحَقِيقَةِ بَيْنَ نَعِيمٍ يَزُولُ وَنَعِيمٍ لَا يَفْنَى، فَيَقُولُ ﷺ:
«يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ.
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الجَنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ».
فَغَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ—يَا عِبَادَ اللَّهِ—تَمْحُو تَارِيخًا كَامِلًا مِنَ الشَّقَاءِ، وَتُسْقِطُ مِنَ القَلْبِ كُلَّ ذِكْرَى لِلْأَلَمِ… فَكَيْفَ بِمَنْ كُتِبَ لَهُ الخُلُودُ فِيهَا؟!
وَأَجْمَلُ مَا فِيهَا أَنَّهُ نَعِيمٌ لَا يُتْبِعُهُ نَدَمٌ، وَلَا يُفْسِدُهُ خَوْفٌ مِنَ الزَّوَالِ؛ فَإِذَا قَالَتْ نَفْسُكَ فِي الدُّنْيَا: «أَخَافُ أَنْ يَضِيعَ كُلُّ شَيْءٍ»، فَالجَنَّةُ تَقُولُ: خُلُودٌ… خُلُودٌ.
وَهُنَاكَ يَقُولُ أَهْلُهَا مِنْ أَعْمَاقِ قُلُوبِهِمْ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ… لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
وَأَيُّ نَعِيمٍ بَعْدَ أَنْ يُقَالَ لَكَ: لَا حُزْنَ بَعْدَ اليَوْمِ؟ لَا وَجَعَ بَعْدَ اليَوْمِ؟ لَا فَقْدَ بَعْدَ اليَوْمِ؟
هِيَ جَنَّةٌ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا
فَنَعِيمُهَا بَاقٍ وَلَيْسَ بِفَانِ
دَارُ السَّلَامِ وَجَنَّةُ المَأْوَى،
وَمَنْزِلُ ثُلَّةِ الإِيمَانِ وَالقُرْآنِ
فِيهَا الَّتِي — وَاللَّهِ — لَا عَيْنٌ رَأَتْ
كَلَّا، وَلَا سَمِعَتْ بِهِ الأُذُنَانِ
أَنْهَارُهَا تَجْرِي لَهُمْ مِنْ تَحْتِهِمْ
مَحْفُوفَةً بِالنَّخْلِ وَالرُّمَّانِ
غُرُفَاتُهَا مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ
وَقُصُورُهَا مِنْ خَالِصِ العِقْيَانِ
سُكَّانُهَا أَهْلُ القِيَامِ مَعَ الصِّيَامِ،
وَطِيبُ الكَلِمَاتِ وَالإِيمَانِ
أَكْرِمْ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَأَهْلِهَا
إِخْوَانَ صِدْقٍ أَيَّمَا إِخْوَانِ
جِيرَانَ رَبِّ العَالَمِينَ وَحِزْبِهِ
أَكْرِمْ بِهِمْ فِي صَفْوَةِ الجِيرَانِ
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ الجَنَّةَ لَهَا سَبِيلٌ… وَالسَّبِيلُ تَقْوَى؛ وَالسَّعْيُ إِلَيْهَا مَسَارَعَةٌ لَا مُسَاوَمَةَ فِيهَا؛ فَسَارِعُوا… فَسَارِعُوا… ﴿وَسَارِعُوا﴾ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ سَاعَةٌ لَا مَسَارَعَةَ فِيهَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ.
يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
بَقِيَ بَعْدَ النَّعِيمِ نَعِيمٌ هُوَ رُوحُ النَّعِيمِ… وَبَقِيَ بَعْدَ الجَمَالِ جَمَالٌ هُوَ مِسْكُ الجَمَالِ… إِنَّهُ يَوْمُ المَزِيدِ؛ يَوْمٌ تُنَادَى فِيهِ أَهْلُ الجَنَّةِ لِزِيَارَةِ رَبِّهِمْ وَالكَرَامَةِ العُظْمَى: رُؤْيَتِهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَدْ أَخْبَرَ القُرْآنُ عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَسْكُتُ عِنْدَهَا كُلُّ أُمْنِيَةٍ:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
هُنَاكَ يَفْهَمُ العَبْدُ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ مَزْرَعَةً لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ غَضَضْتَ فِيهَا بَصَرَكَ عَنِ الحَرَامِ كَانَتْ خَطْوَةً لِهٰذَا النَّظَرِ المُكَرَّمِ.
أكرم بجنَّاتِ النَّعيمِ وأهلِها
إخوانَ صدقٍ أيَّما إخوانِ
جِيرانَ ربِّ العالمينَ وحزبهِ
أكرم بهم في صفوةِ الجيرانِ
هم يسمعون كلَامهُ ويرونَهُ
والمُقلتانِ إليهِ ناظرتانِ
وعليهمُ فيها ملابسُ سُندسٍ
وعلى المفارقِ أحسنُ التِّيجانِ
وَمِنْ مُنْتَهَى الأَمَانِي أَيْضًا: لِقَاءُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي دَارِ الخُلُودِ، وَالاِجْتِمَاعُ بِهِ وَالتَّمَتُّعُ بِقُرْبِهِ؛ فَأَيُّ قُرَّةِ عَيْنٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي الجَنَّةِ وَتَرَى وَجْهَ مَنْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا؟!
عباد الله!
طَرِيقُ الجَنَّةِ لَيْسَ شِعَارًا فحسب
… بَلْ قَرَارَاتٌ يَوْمِيَّة
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: مَنْ أَرَادَ تِلْكَ الدَّارَ فَلْيَسْتَمِعْ لِهٰذِهِ الوَصَايَا، فَهِيَ مَفَاتِيحُ تَفْتَحُ أَبْوَابًا:
1) لَا تَنَمْ عَنِ الصَّلَاةِ… فَإِنَّ أَوَّلَ الطَّرِيقِ صَلَاةُ الفَجْرِ
تَخَيَّلْ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الجَنَّةِ مَفْتَاحًا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ… ثُمَّ تَتْرُكُهُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ!
مَنْ يَطْلُبُ “دَارَ المُقَامَةِ” لَا يَصِحُّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ؛ فَالصَّلَاةُ عَهْدٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، وَمَنْ حَفِظَ عَهْدَهُ حَفِظَهُ اللَّهُ.
2) رَمَضَانُ يَقْتَرِبُ… فَهَلْ شَمَّرْتَ؟
رَمَضَانُ مَوْسِمٌ لِمَنْ أَرَادَ “سَارِعُوا” أَنْ تَكُونَ عَمَلًا، لَا كَلِمَةً.
تُرِيدُ المَغْفِرَةَ؟ هَا هُوَ مَوْسِمُهَا.
تُرِيدُ القُرْبَ؟ هَا هُوَ طَرِيقُهُ.
تُرِيدُ قُرَّةَ العَيْنِ؟ فَقُرَّةُ العَيْنِ تَبْدَأُ بِدَمْعَةِ تَوْبَةٍ فِي السَّحَرِ.
3) صِدْقٌ مَعَ اللَّهِ… فَالْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ لَا لِلْمُتَمَنِّينَ!
لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تَدَّعِيَ الكَمَالَ، بَلْ أَنْ تَصْدُقَ فِي الرُّجُوعِ:
تُذْنِبُ؟ تُبَادِرُ بِاسْتِغْفَارٍ.
تَفْتُرُ؟ تَرْجِعُ وَلَا تُصِرُّ.
تَضْعُفُ؟ تَسْتَعِينُ وَلَا تَسْتَسْلِمُ.
4) غُضُّ البَصَرِ: لَذَّةُ نَظْرَةٍ تَنْقَطِعُ… أَمْ لَذَّةُ نَظَرٍ يَدُومُ؟
مَنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ “المُقْلَتَانِ إِلَيْهِ نَاظِرَتَانِ” فَلْيَحْفَظْ مُقْلَتَيْهِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ.
نَظْرَةُ الحَرَامِ تَبْدَأُ كَلَمْعَةٍ… ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَسْرَةٍ.
أَمَّا غَضُّ البَصَرِ فَيَبْدَأُ بِمُجَاهَدَةٍ… ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى سَكِينَةٍ وَنُورٍ.
5) احْفَظْ فَرْجَكَ وَابْتَعِدْ عَنْ سُبُلِ الزِّنَا
الزِّنَا لَا يَأْتِي دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ إِنَّهُ طَرِيقٌ يُفْتَحُ بِنَظْرَةٍ، ثُمَّ رِسَالَةٍ، ثُمَّ خَلْوَةٍ، ثُمَّ فَضِيحَةٍ أَوْ نَدَمٍ.
وَمَنْ أَرَادَ الجَنَّةَ فَلْيَغْلِقِ الأَبْوَابَ مِنْ أَوَّلِهَا؛ فَالجَنَّةُ طُهْرٌ، وَأَهْلُهَا طَاهِرُونَ.
6) كُفَّ اللِّسَانَ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ
كَيْفَ تَطْمَعُ فِي دَارٍ “سَلَامًا سَلَامًا” وَأَنْتَ تُشْعِلُ فِي النَّاسِ نَارَ الكَلِمَاتِ؟
الغِيبَةُ تَأْكُلُ الحَسَنَاتِ، وَتُظْلِمُ القَلْبَ؛ وَالقَلْبُ المُظْلِمُ يَثْقُلُ عَنْ “سَارِعُوا”.
فَطَهِّرُوا أَلْسِنَتَكُمْ تَطْهُرْ قُلُوبُكُمْ، وَتَقْرُبُوا مِنْ مَقَامِ المُتَّقِينَ.
الخُلَاصَة: هناك لَذَّتَانِ
أَمَّا لَذَّةُ الدُّنْيَا فَسَرِيعَةُ الاِنْقِطَاعِ، وَكَثِيرًا مَا تُلْحِقُهَا حَسْرَةٌ؛
وَأَمَّا لَذَّةُ الطَّاعَةِ فَتُعْطِيكَ حَلَاوَةً فِي القَلْبِ، وَتَفْتَحُ لَكَ بَابًا فِي الآخِرَةِ.
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: مَتَاعَ غُرُورٍ… أَمْ فَوْزًا عَظِيمًا؟
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
فاعلموا أن فِي الدُّنْيَا جَنَّةٌ،
مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ.
هِيَ جَنَّةُ العَمَلِ وَالطَّاعَةِ؛
أُنْسُ القُلُوبِ بِاللَّهِ، وَلَذَّةُ القُرْبِ مِنْهُ.
مَنْ ذَاقَهَا هُنَا،
هَانَ عَلَيْهِ كُلُّ تَعَبٍ،
وَمَنْ حُرِمَهَا،
لَمْ يُغْنِهِ نَعِيمُ الدُّنْيَا شَيْئًا.
هذا وصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ،
فَإِنَّهَا صَلَاةٌ تُورِثُ قُرْبًا هُنَا،
وَنَعِيمًا وَصُحْبَةً هُنَاكَ فِي الجَنَّة.
وَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا بِذٰلِكَ فَقَالَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمُ الجَنَّةُ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْبَةِ وَحُسْنَ الخَاتِمَةِ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي عَافِيَةٍ وَإِيمَانٍ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَغَضِّ البَصَرِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ وَطَهَارَةِ القَلْبِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَوَلَاةَ أَمْرِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ هٰذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.