نِعْمَةُ الْبَرَارِي وَالمُتَنَزَّهَات، وَوَاجِبُنَا تِجَاهَهَا.
أ.د عبدالله الطيار
الحمدُ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ، الفردِ الصَّمَدِ، تَعَالَى عن الشَّبِيهِ والنَّظِيرِ والنِّدِّ والوَلَدِ، لمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَحْمَدُهُ سبحانَهُ حَمْدًا كثيرًا، وأشْكُرُهُ على نِعَمِهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ جاءَ بِالْحَقِّ والْهُدَى، وأَمَرَ بِبَذْلِ المعْرُوفِ، وَكَفِّ الأَذَى، صَلَّى اللهُ وسلم عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أُولِي الأَحْلامِ والنُّهَى وعلى التَّابِعِينَ ومنْ اهْتَدَى، أمَّـا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) الحشر: [18].
أيُّهَا المؤمنونَ: : في موسِمِ الشِّتَاءِ تَتَنَزَّلُ الأَمْطَارُ، وتَخْضَرُّ الأشْجَارُ، وتصفُو الأجواءُ فيقصِدُ النَّاسُ البرَارِيَ والمتَنَزّهَاتِ والأَوْدِيَةَ والشِّعَابَ؛ لِيَنْعَمُوا بِالْهُدُوءِ، وَيَظْفَرُوا بِالآَيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، وَمُعَايَشَةِ الْبِيئَةِ الْبرِّيَّةِ، وَمَا أَفَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلى عِبادِهِ بِأَجْوَاءِ الطَّبِيعَةِِ وبَهَائِهَا، والبَرَارِي ونَقَائِهَا، قالَ سُبْحَانَهُ: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ق: [7-8].
عبادَ اللهِ: والإسلامُ دينُ يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَفُسْحَةٍ وسَمَاحَةٍ، قال ﷺ: (خُذُوا يا بَنِي أرْفِدَةَ، حتى تَعْلَمَ اليهودُ والنَّصَارى أنّ في دِينِنا فُسحةً) أخرجه أحمد (24855) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1829) وسُئِلت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَن الْبَداوَةِ فقالتْ: (كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلاعِ..) والتِّلاعُ: مَجْرَى المَاء مِنْ أَعْلَى الْوَادِي إِلَى أَسْفَلِهِ.
عِبَادَ اللهِ: والخروجُ للباديَةِ؛ للتنزه، والتفكير بمخلوقات الله، نِعْمَةٌ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ، والنِّعَمُ تُسْتَدَامُ بِحِفْظِهَا، وتَزِيدُ بِشُكْرِهَا، وتَطِيبُ بِاسْتِشْعَارِهَا، وقَدْ تَعَاضَدتْ نصوصُ القرآنِ والسُّنَّةِ في وجوبِ الحفاظِ على البيئةِ وصيانَتِهَا عن كلِّ ما يَذْهَبُ بِجَمَالِهَا، أوْ يَضُرُّ بِبِنَائِهَا، والتحذيرِ من الإفسادِ فيهَا، أو العبثِ بهَا، قالَ تعالى: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) البقرة: [60] وقال النبيُّ ﷺ: (الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ) أخرجه مسلم: (35)
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَالْخُرُوجُ إِلى الْبرَارِي وَالمُتَنَزَّهَاتِ مُحَبَّبٌ للنفسِ، وسَبَبٌ للأُنْسِ، مَا دامَ مُنْضَبِطًا بالقواعِدِ والآدابِ، وخاليًا من التَّعَدّي والمنكرَاتِ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الآَدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي للمُتَنَزِّهِينَ مُرَاعَاتُهَا، وَالعِنَايَةُ بِهَا: وَمِنْهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا: اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وتقديمُ صُحْبَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ وَالأَبْنَاءِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَالمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلاةِ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا، والتأذينُ لِكُلِّ صَلاةٍ.
ثَانِيًا: حِفْظُ النَّفْسِ، وَعَدَمُ تَعْرِيضِهَا لمواطِنِ الهَلاكِ، بالمبيتِ أَو المُكُوثِ في الأوْدِيَةِ والشِّعَابِ، أَوْ قَطْعِهَا حَالَ جَرَيَانِ الأمْطَارِ، كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الشَّبَابِ -أَصْلَحَهُم اللهُ-بِاقْتِحَامِ الأَوْدِيَةِ وَمَجَارِي السّيولِ بالسبَاحَةِ أو بالسَّيَّارَاتِ غير عابِئِينَ بتوجِيهَاتِ الدِّفَاعِ المدنِيِّ، فضلًا عن أرْوَاحِهِمْ، وأرواحِ مرافِقِيهِم، فيَحْصُلُ مَا لا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ.
قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأعراف: [85] بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة:
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ واعلموا أنَّ مِنَ الآَدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي للمُتَنَزِّهِينَ مُرَاعَاتها مَا يَلِي: ثَالِثًا: الْحَذَرُ مِنْ إِشْعَالِ النِّيرَانِ في أمَاكِنِ المتنزِّهِينَ، أو إيذائِهِمْ بِهَا، وَالْحِرصُ عَلَى إخْمَادِها، قال ﷺ:(إنَّ هذهِ النَّارَ عدوٌّ لكُم؛ فإذا نِمتُم فأطفِئُوها عنْكُم) أخرجه البخاري (6294)، ومسلم (2016).
رابعًا: تَجَنُّبُ الاعتداءِ على المحميَّاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، وعدمُ الصَّيْدِ أو الاحْتِطَابِ للمحافظةِ على الغطاءِ النَّبَاتِي، والشَّكْلِ الْجَمَالِي، والتَّوَازُنِ البِيئِيِّ.
خامسًا: مُرَاعَاة الأَنْظِمَةِ البيئِيَّةِ، وَقَوَاعِدِ الدِّفَاع المدنِيِّ، واتِّبَاعُ توجيهاتِ القائِمِينَ على هَذَا الأمرِ، والتي تُحَقِّقُ المصلحةَ العامَّةَ للجميعِ، وتَضْمَنُ سَلامَتَهُمْ.
أسألُ اللهَ أنْ يُصْلِحَ أَرْضَنَا، وَيَعُمَّ بالْخَيْرِ والرَّخَاءِ بِلادَنَا اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الحرمينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَعِنْهُ، وَسَدِّدْهُ، وَاكْفِهِ شَرَّ الأَشْرَارِ، وَاجْعَلْهُ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا فِي أَدَاءِ اخْتِبَارَاتِهِمْ، وَارْزُقْهُم الصَّوَابَ وَالسَّدَادَ، وَانْفَعْ بِهِمْ الْبِلادَ وَالْعِبَادَ، وَاجْعَلْ الاخْتِبَارَات عَلَيْهمْ سَهْلَةً يَسِيرَةً، وَأَقِرَّ عُيُونَ وَالِدِيهِمْ بِصَلاحِهِمْ وَنَجَاحِهِمْ، وِبِرِّهِمْ، اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا، وَبِالسَّعَادَةِ آَجَالَنَا، وَبَلِّغْنَا مِمَّا يُرْضِيكَ آَمَالَنَا، وَاجْعَلْنَا فِي كَنَفِكَ وَحِفْظِكَ، وَأَنْتَ خَيرُ الْحَافِظِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينََ، وصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الجمعة 13/ 7 /1447هـ