ونزعنا ما في صدورهم من غل
الشيخ د طلال بن فواز الحسان
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي طهر قلوب أوليائه من الغل، ونقّاها من أدران الحسد، وجعلها أوعيةً للهدى، ومهابطَ للرحمة، ومنازلَ للسكينة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، نبيّ الرحمة، وإمامُ الهدى، من شرح الله صدره، ورفع ذكره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ 102ﵞ .
أما بعد: نقطع حجُبَ الزَّمان، ونطوي صفحاتِ التَّاريخ لنقتربَ من مشهدٍ فريد، وصورةٍ معبِّرة، وموقف فيه الصَّلاحُ لمن أراد الفوزَ والفلاح.
هناك في مسجِد رسولِ الله ﷺ حيث يَجلس خيرُ الخلق بين أصحابه في مجلسٍ إيماني بَهيج، قد اشرأبَّتْ نحوَه الأعناق، وملكتْ كلماتُه العذبةُ قلوب أصْحابه - رضي الله عنهم - وبينما هُم على هذه الحال من السَّكينة والطُّمَأْنينة، يُشير ﷺ إلى ناحيةٍ من نواحي المسجِد فيقول: (يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة(! فدخلَ رجلٌ من الأنصارِ تقطرُ لحيته ماءً من أثر الوضوء. فلما كان الغد، قال النبيُّ ﷺ: يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة! فدخلَ الأنصاريُّ ذاته الذي دخل في اليوم الأول.
ولما كان اليوم الثالث، قال النبيُّ ﷺ: يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة!
فإدا بالأنصاري نفسِه يدخلُ المسجد! فلما انفضَّ المجلس، قامَ عبدُ الله بن عمرو إلى الأنصاريِّ وقال له: لقد تخاصمتُ مع أبي، وأقسمتُ أن لا أدخلَ عليه ثلاثة أيام، فإن رأيتَ أن تستضيفني عندكَ حتى تمضي هذه الأيام! فقال له: أهلاً ومرحباً. فمكثَ عنده عبدُ الله ثلاثةَ أيام فلم يَرَهُ يقوم من الليل شيئاً، وليس له في النهار مزيد عبادة عما كان يفعله الصحابة، غير أنه إذا استيقظَ في الليلِ ذكرَ الله في فِراشه ثم يقوم إذا أذّن المُؤذِّنُ لصلاةِ الفجر ! ولمَّا انقضتْ الأيام الثلاثة، وكادَ عبد الله يستصغرَ عمل الأنصاري، قال له: لم يكُنْ بيني وبين أبي هجرٌ ولا خُصومة، غير أن النبيَّ ﷺ قال ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فكنتَ أنتَ في الثلاث، فأردتُ أن أعرفَ ما تفعل حتى نلتها! فقال الأنصاريُّ: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجدُ في نفسي لأحدٍ من المُسلمين غِشاً، ولا أحسِدُ أحداً على خير أعطاه الله إياه! فقال له عبد الله: هذه التي بلغتْ بكَ وهي التي لا نُطِيقُ!
إنها سلامةُ الصدر، التي هي سجيةُ القلوب الطاهرة، وزادُ الأرواح الزاكية، ودلالةُ الصدق في الإيمان.
أترون كيف وصف اللهُ الجنةَ فقال:﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
فكأنّ الجنة، قبل أن تكون أنهارًا وجِنانًا، هي طمأنينةُ صدر، ونقاءُ نفس، وسلامةُ قلب!
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، من أفضل الناس؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان ."قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد". ألا ما أصفى هذه القلوب! وما أنقاها وهي تمضي في الناس كالنسيم، لا تؤذي، ولا تحسد، ولا تكيد، بل تعيش في رضا، وتنام على صفح، وتستيقظ على دعاء.
وسلامة الصدر: هي أن يُنقى القلب من الغش والغل والحسد وسوء الظن والعداوات ، قال النبي ﷺ: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".
هي خصلة من أعظم خصال الأنبياء، قال الله مُمتدحًا خليله عليه السلام: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم ﴾ وشُقَّ صدر النبي ﷺ مرتين؛ وغُسِل قلبُه في طَسْتٍ من ذهبٍ بماء زمزم؛ ومن دعاء النبي ﷺ مُعلِّمًا أمته: (اللهم اهدِني واسلُل سخيمة قلبي)؛ أي: حِقْدَه وغِلّه.
وأثنى الله على الأنصار بسلامة صدورهم: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ﴾ أي: ما أُوتِي إخوانهم المهاجرون من فضل، وأخبر عن الصالحين من بعدهم بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا ﴾.
ولا ينفع يوم القيامة إلا سلامة الصدر مع الإيمان: قال الله: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم ﴾.
القلب هو محط نظر الله، وسلامته وطهارته هي أعظم عمل، وأجلُّ طاعة يلقى بها العبد ربَّه قال نبينا ﷺ : "إنَّ الله لا ينظر إلى صُوَركم أموالكم ولكن ينظُر إلى قلوبِكم".
فما أكرمَ من عاش بهذه الصفة…وما أسعد من طاب قلبه، وصلحت سريرته، ونام وليس في صدره شيء على أحد من المسلمين، فكم من عبدٍ بسيط الطاعة، قليل العمل، لكنه لا ينام وفي قلبه شيء على أحد، فيُحبُّه الله ويُحببه إلى خلقه! ويُضاعف له اليسير من عمله، قال سفيان بن دينار: (قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي: أخبرني عن أعمال من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم).
وكم من مؤمنٍ عبدَ الله ليله ونهاره، لكنه أفسد قلبه بالضغينة، وغلّ صدره بالحسد! فحُرم خيرًا كثيرًا، وكم من عملٍ موقوف، وذنبٍ لا يُغفر، بسبب قلبٍ ممتلئ بالشحناء، قال نبينا ﷺ: "تُعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فيُغفر لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَمهلوا هذين حتى يصطلحا".
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه كان غفارا
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. أما بعد:
إن سلامة الصدر واللسان هي أوضح الدلائل وأصدق البراهين على تمام الإيمان وكماله ، وقد كان السلف رحمهم الله يعدُّون الأفضل فيهم من كان سليم الصدر سليم اللسان. قال إياس بن معاوية بن قرة : " كان أفضلهم عندهم – أي السلف – أسلَمهم صدوراً وأقلهم غيبة ".
ولما دخلوا على أبي دجانة رضي الله عنه وهو في مرض موته كان وجهه يتهلَّل ، فقيل له : ما لوجهك يتهلل ؟ فقال : ما من عملِ شيء أوثقُ عندي من اثنتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً .
إخوة الإيمان، ويَبقى السؤال الأهم: كيف السَّبيلُ إلى صلاح القلوب، وسلامة الصدور؟ وكيف نبْلغ هذه المرتبةَ الشَّريفةَ المنيفة؟ نعم، إنَّ لصلاح البواطن وسلامة الصدر أسبابًا عِدَّة، من أهمِّها:
ــــ إخلاص الأعمال لله تعالى، وأن تكون للعبد خبايا من الأعمال الصَّالحات، لا يراها إلاَّ ربُّه، قال نبينا ﷺ : "ثلاثٌ لا يُغَلُّ عليهِنَّ قلبُ المؤمنِ: إخلاصُ العملِ، والنصيحةُ لأولي الأمرِ، ولُزومُ الجماعةِ، فإنَّ دَعوتَهم تكونُ مِن ورائِه". قال ابن الأثير: "إنَّ هذه الخِلال الثَّلاث تُسْتَصلح بها القلوب، فمن تمسَّك بها طَهُر قلبه من الخيانة والدَّخل والشَّر".
ــــ وبعد أن يُخلصَ المرءُ أعماله لربه، يأتي أهمُّ سبب لصلاح القلوب واستِقامتها، وهو القُرآن، هذا الذِّكْر الحكيم الَّذي قصرْنا في تدبُّره، وإصلاح النَّفس من مواعظه وعبره؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾. هذا الذِّكر الحكيم، إذا واطأ القلبُ فيه اللسان، وصل بالعبد إلى آفاق عُلْوية، تسمو به فوق خطراتِ النفس الدنيئة، وعِلَل القلب الوضيعة؛ ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾.
ــــ ومن أسباب سلامة الصدر وصلاح الباطن - عبادَ الله -: صيامُ ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر؛ روى النَّسائي في سُنَنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (ألا أخبرُكم بِما يُذهب وَحَر الصدر، صومُ ثلاثة أيَّام من كل شهر)
ووَحَر الصدر: هو الحِقْد والغيظ، وقيل: العداوات.
ــــ ومما يعين على سلامة الصدر قوة الصلة بالله والرضا عنه، والرضا بما قُسم لك من الدنيا، قال ابن القيم رحمه الله: " إنه – أي الرضا عن الله – يفتح له باب السلامة فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل ، ...كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا ، وكلما كان العبد أشد رضًا كان قلبه أسلم .. وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا ".
ـــــ وأخيرًا يا عبد الله: إن أردت أخصر طريق لسلامة الصدر، فهو في سؤال الله ذلك، فإنك لن تصِل إلى ما ترنو إليه من صلاح باطنك، إلاَّ بعون من الله - جلَّ جلاله - فاجْأر إلى ربك بالدعاء أن يصلحَ قلبك وينقي سريرتك من أمراض الشبهات والشهوات، فقد كان من دعاء نبيِّنا ﷺ ربَّه: "واسللْ سخيمة قلبي"، وكان من دعائه أيضًا: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ". فإذا استنار القلب سلِم من الأمراض، وكان من دعاءه ﷺ:"واسألُكَ قلبًا سليمًا". ومن الأدعية النبوية العظيمة الجالبة لسلامة الصدر: " اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت".
وكان من دعاء الصَّالحين من عباد الله فقالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
فالدعاء الدعاء إن رمت سلامة صدرك وصلاح قلبك.
اللهم يا حي يا قيوم.. يا ذا الجلال والإكرام آت نفوسنا تقواها .. زكّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها....
المرفقات
1768416863_��(ونزعنا ما في صدورهم من غل)�.docx
1768416863_��(ونزعنا ما في صدورهم من غل)�.pdf
الشيخ د طلال بن فواز الحسان
عضو نشط.
تعديل التعليق