(4) من علامات الساعة الكبرى: طلوع الشمس من مغربها
إبراهيم بن سلطان العريفان
الحمدُ للهِ مُقَلِّبِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَمُصَرِّفِ الأَفْلاكِ وَالأَقْدارِ، الَّذي بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ، يُجْري الشَّمْسَ لِمُسْتَقَرٍّ لَها، وَيَقْدِرُ أَنْ يَقْلِبَ سَيْرَها آيَةً لِلعالَمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، شَهادَةً نَرْجُو بِها النَّجاةَ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ بَشيرًا وَنَذيرًا، وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنيرًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ. أَمَّا بَعْدُ..
فَأُوصيكُمْ عِبادَ اللهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ زادٍ لِيَوْمِ المَعادِ، وَهِيَ العِصْمَةُ مِنَ الفِتَنِ وَالفَسادِ ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[.
عِبادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ تَعالى مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ أَنْ جَعَلَ لِلسَّاعَةِ أَشْراطًا، وَجَعَلَ لِلقِيَامَةِ آياتٍ، تُنْذِرُ الغافِلَ، وَتُوقِظُ النَّائِمَ، وَتَرُدُّ العاصِيَ إِلَى رَبِّهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ الرَّجاءُ. وَمِنْ أَعْظَمِ تِلْكَ الآياتِ، وَأَشَدِّها وَقْعًا وَهَوْلًا وَفَزَعًا: طُلوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
تَأَمَّلُوا يَا عِبادَ اللهِ.. شَمْسٌ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ المَشْرِقِ، وَيَعْتادُ النّاسُ ضِياءَها، وَيَأْلَفُونَ مَسارَها، حَتّى إِذا شاءَ اللهُ، وَحَضَرَتِ السّاعَةُ، طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ. فَيَرْتَجِفُ العالَمُ مِنَ الفَزَعِ، وَتَرْتَعِدُ القُلُوبُ مِنَ الهَوْلِ، وَيَعْلَمُ النّاسُ أَنَّها الحَقُّ الَّذي لا مِرْيَةَ فِيهِ.
يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا ]هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا[ وَقَدْ فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ "بَعْضَ آياتِ رَبِّكَ" بِأَنَّهَا طُلوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ ]لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا[.
يَا الله!! تَخَيَّلْ يا عبدَ اللهِ.. نَاسٌ عَاشُوا فِي الكُفْرِ سِنِينَ، وَنَاسٌ عَاشُوا فِي المَعاصِي عُمُرًا، وَنَاسٌ أَعْرَضُوا عَنِ الصَّلاةِ، وَتَلاعَبُوا بِالمُحَرَّماتِ..
ثُمَّ لَمّا رَأَوْا الشَّمْسَ طَالِعَةً مِنَ المَغْرِبِ قالُوا: آمَنّا.. قالُوا: تُبْنا.. قالُوا: رَجَعْنا.. لكن بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ البابُ.
إِنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ التَّوْبَةِ، إِنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ القَبُولِ، إِنَّهُ وَقْتُ انْقِضاءِ الامْتِحانِ.
عبادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ فَتَحَ بابَ التَّوْبَةِ رَحْمَةً بِعِبادِهِ، وَنَاداهُمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَنْ ارْجِعُوا، لكنَّ اللهَ جَعَلَ لِهَذا البابِ أَجَلًا! وَجَعَلَ لِهَذِهِ الرَّحْمَةِ نِهايَةً. قالَ النَّبيُّ ﷺ: "مَنْ تابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تابَ اللهُ عَلَيْهِ".
فَمَنْ أَخَّرَ التَّوْبَةَ إِلَى ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَدْ أَخَّرَها إِلَى يَوْمٍ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ.
قالَ اللهُ تَعالى ]حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحًا فيما تَرَكْتُ ۚ كَلّا[.
فَيا عِبادَ اللهِ.. إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الدُّروسِ فِي طُلوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها: أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أَنْ يُؤَجِّلَ تَوْبَتَهُ، وَلا أَنْ يَسْتَسْهِلَ ذَنْبَهُ، وَلا أَنْ يَغْتَرَّ بِإِمْهالِ اللهِ لَهُ، ]وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ[ وَقالَ سُبْحانَهُ ]إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ[.
عِبادَ اللهِ.. التَّوْبَةُ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ البابُ. تَوْبَةٌ صادِقَةٌ لا كَلِماتٌ تُقالُ. تَوْبَةٌ تَرُدُّكَ إِلَى الصَّلاةِ. تَوْبَةٌ تَرُدُّكَ إِلَى القُرْآنِ. تَوْبَةٌ تُطَهِّرُ لِسانَكَ مِنَ الغِيبَةِ. تَوْبَةٌ تُغْلِقُ هَواتِفَ الحَرامِ. تَوْبَةٌ تُنَقِّي قَلْبَكَ مِنَ الحِقْدِ وَالحَسَدِ. تَوْبَةٌ تَرُدُّ المَظالِمَ إِلَى أَهْلِها قَبْلَ يَوْمِ القِصاصِ.
قالَ النَّبيُّ ﷺ: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ" فَبادرُوا.. بادرُوا.. بادرُوا.
نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنا تَوْبَةً نَصوحًا، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتامَنا، وَأَنْ يَجْعَلَ خَيْرَ أَيّامِنا يَوْمَ نَلْقاهُ.
أقولُ قَوْلِي هذا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصّالِحينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ، وَأَنَّ العَاقِلَ مَنْ اغْتَنَمَ عُمْرَهُ قَبْلَ فَوْتِهِ.
إِنَّ طُلوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها يَحْمِلُ رِسالَةً عَظيمَةً: أَنَّ هَذا الكَوْنَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ، وَيُغَيِّرُهُ مَتى يَشاءُ. فَإِذا كانَ اللهُ قادِرًا أَنْ يَقْلِبَ مَسيرَ الشَّمْسِ، فَهُوَ قادِرٌ أَنْ يُقَلِّبَ حالَكَ مِنَ الذَّنْبِ إِلَى الطّاعَةِ، وَمِنَ الغَفْلَةِ إِلَى الهُدى.
فَلا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَكِنْ لا تَغْتَرَّ بِإِمْهالِه ]قُلْ يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا[.
اللهمَّ تُبْ عَلَيْنا تَوْبَةً نَصوحًا. اللهمَّ اجْعَلْنا مِنَ التَّوّابينَ، وَاجْعَلْنا مِنَ المُتَطَهِّرينَ. اللهمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ. اللهمَّ اخْتِمْ لَنا بِخاتِمَةِ السَّعادَةِ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلامِنا مِنَ الدُّنْيا: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ. اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمينَ وَالْمُسْلِماتِ، وَالْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ، الأَحْياءَ مِنْهُمْ وَالأَمْواتِ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ.
المرفقات
1768512631_طلوع الشمس من مغربها.pdf
1768512641_طلوع الشمس من مغربها.docx