عناصر الخطبة
1/ما هو الرزق؟ 2/الله الرزاق المستحق للعبادة 3/أثر الإيمان بأن الله هو الرزاق.اقتباس
في الوَقتِ الذي تبحَثُ فيهِ شتَّى الأممِ عَنْ أهمِّ عناصرِ العُمرانِ وهوَ الإنسانُ، فتراهُمْ يستقطِبُونَ الكوادِرَ بكلِّ سبيلٍ، تراهُمْ يَكيدُونَ للمُسلمينَ لإضعافِ نَسلِهمْ تحتَ أسماءٍ برَّاقةٍ خادِعةٍ، وكانَ منْ أكثرِ الأكاذيبِ التي انطلَتْ على كثيرٍ منْ الأُسَرِ المسلمَةِ تحديدُ...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ الرَّزاقِ الكَرِيمِ، يبسُطُ الرِّزقَ لمنْ يشاءُ ويَقدِرُ، وهوَ العليمُ الحكيمُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
عَبدَ الله: هلْ لكَ أنْ تجمعَ بينَ رزقِ اللهِ ومغفرتِهِ؟
عندَما يسوقُ اللهُ إليكَ طعامًا تراهُ جاءَ بكَدِّكَ وتَعَبِكَ، يُطعِمُكَ اللهُ إيَّاهُ، فقلْ كما علَّمَنا نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- إذْ يقولُ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(رواه الترمذي)([1]).
ما أكرمَ اللهَ! وما أعظمَ فضلَهُ! إنَّهُ الرَّزاقُ الغفورُ.
أتدري ما الرِّزقُ؟
الرِّزقُ هوَ كلُّ ما تقُومُ بهِ حياةُ الخلقِ وينتفعونَ بهِ، سواءٌ أكانَ هذا لأجسادهمْ، أمْ لقلوبهمْ وأرواحهمْ؛ العمُرُ والحياةُ، الماءُ والطَّعامُ، الضِّياءُ والهواءُ، القُوَّةُ والصِّحةُ، السَّكَنُ والمحبّةُ، العَقلُ والذَّكاءُ، الزَّوجةُ والأولادُ، العائلةُ والصُّحبَةُ، المالُ والـجَاهُ، نعم، والعلمُ والإيمانُ، والطَّاعةُ والإحسانُ، والهُدى، والقُرآنُ، ثمَّ النَّعيمُ في الجنانِ.
كلُّ هذا وكلُّ عطاءٍ في أيدي الخلقِ ينتفعونَ بهِ في الدُّنيا والآخرةِ: رِزقُ اللهِ الرَّزاقِ الكريمِ، واللهُ وحدَهُ الرَّزَّاقُ الذي تكفَّلَ برَزقِ جميعِ خلقِهِ، ما مِنْ دابَّةٍ إلا عليهِ رِزقُها، يعلمُهُ ويخلُقُهُ ويُقدِّرُ الأسبابَ التيْ بها يُوصِلُهُ إليها؛ ألم تسمَع قولَه -تعالى-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[هود: 6]؟
أترى تلكَ العَوالِمَ، كمْ فيها منْ مِليارَاتِ المخلوقاتِ؟ وحدَهُ -سبحانَهُ- الـمُقيتُ عليهم، الحافظ لهمْ؛ كما قالَ: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)[النساء: 85]، يعلَمُ ما يَقُوتُهم وما يُبقِي مهجتَهمْ منَ الأقواتِ، فيسوقُهُ بلطفِهِ الخفيِّ؛ لأنهُ القويُّ العزيزُ؛ قال ربُّنا: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)[الشورى: 19].
تأمَّلْ في جنَباتِ الأرضِ تجِدْ فيها قُوتَ الخلقِ؛ كما قالَ سبحانَهُ: (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا)[فصلت: 10]، فنثرَ سبحانَهُ ذلكَ القوتَ فِيهَا وعليها، يسوقُ برحمتِهِ السَّحابَ، ويُنزلُ المطرَ، ويُنبتُ الزرعَ، ويُخرجُ الثَّمَراتِ؛ حتّى تلكَ العصافيرُ والدوابُّ الضَّعيفةُ العاجزةُ التي لا تدَّخرُ الأقواتَ، يعلمُها ربُّ العالمينَ، فيحملُ لها رِزقَها برحمتِهِ؛ قالَ سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[العنكبوت: 60].
وهوَ سبحانَهُ يرزُقُ المؤمنَ والكافرَ، والطَّائعَ والعاصيَ؛ لأنَّهُ ربُّ العالمينَ، ومِنْ رُبوبيتِهِ لخلقِهِ أنَّهُ تكفَّلَ برزقِهمْ؛ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ»(رواه البخاري ومسلم)([2]).
ما أشقَى الإنسانَ عندَما يرزُقُهُ ربُّهُ ثمَّ يكفُرُ بِهِ! يتعلَّقُ بوَثَنٍ أوْ قبرٍ أوْ مخلوقٍ عاجِزٍ، يدعُوهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وهُوَ لا يملِكُ لَهُ رِزقًا!
تراهُ خاشِعًا ذليلًا أمامَ خُرافةٍ، أوْ بينَ يدَيْ مَيِّتٍ مثلِهِ يسألُهُ رِزقًا، حالُهُ كمَا قالَ سبحانَهُ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ)[النحل: 73].
لقدْ قامَ الخليلُ إبراهيمُ -عليهِ السَّلامُ- ينادِي على قومِهِ نداءَ الرَّفيقِ قائلًا: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[العنكبوت: 17].
وها هوَ يحيى -عليهِ السَّلامُ- يقومُ بينَ بنِي إسرائِيلَ يُعلِّمُهُم ما أمَرَهُ اللهُ، وكانَ أوَّلُه قولَه: «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي عَمَلَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»(رواه أحمد)([3]).
عبادَ الله: إنَّ المؤمنَ الذي يوقِنُ أنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ المُقيتُ يسألُ ربَّهُ الرِّزقَ والبَركَةَ فِيهِ كمَا كانَ يفعلُ نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّهُ كانَ يدعو ربَّهُ في كلِّ صلاةٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي»(رواه الترمذي)([4]).
ثمَّ إنَّهُ لا يتوكَّلُ إلَّا على ربِّهِ، مطمئنًّا بهِ يثِقُ فيهِ وحدَهُ، فلا تراهُ ذليلًا لمخلوقٍ لأجلِ رزقِهِ، بلْ يحيا كريمًا عزيزًا رافعًا هامتَهُ تطُولُ الثُّريَّا، لأنَّهُ يعلَمُ أنَّ رِزقَهُ في السَّماءِ، يُنزلُهُ لهُ ربُّ الأرضِ والسَّماءِ القائِلُ: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)[الذاريات: 22-23].
يستحضرُ قولَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَو أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ، لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ»(رواه أبو نعيم)([5])، يرسُمُ بهِ خريطَةَ الطُّمَأنينَةِ في قلبِهِ، فلا يجزَعُ ولا يَهْلَعُ.
تراهُ متوكِّلًا على ربِّهِ، يأخُذُ بالأسبابِ التي شرعَها اللهُ، فؤادُهُ كالطَّيرِ الذي يسعَى على الأغصانِ، فلا يرجِعُ إلى عُشِّهِ إلّا وفي كَنَفِهِ رِزقُ اللهِ الوافِرُ؛ يقولُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»(رواه الترمذي)([6]).
يعبُدُ ربَّهُ ويقيمُ شرعَهُ، لأنَّ تلكَ هِيَ الغايةُ التي خلقَهُ اللهُ لها، ولا يَحمِلُهُ طلبُهُ لرِزقِهِ على تركِ العبوديَّةِ للهِ -ربِّ العالمينَ-؛ قالَ الله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)[الذاريات: 56-58].
إنْ سَمِعَ داعيَ الصَّلاةِ أجابَ، يدعُو لها أهلَهُ، ولا يَخشى بإقامتِها فواتَ رزقِهِ، وكيفَ يخشى واللهُ الرَّزّاقُ؟! قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه: 132].
إنْ عُرِضَ عليهِ سبيلُ رزقٍ حرَّمَهُ اللهُ أعرضَ عنهُ، مُوقنًا أنَّ رِزقَهُ مقسومٌ، وأنَّهُ إنْ أطاعَ اللهَ وسعى بطلبِ رزقِهِ بالحلالِ جاءَهُ الرِّزقُ طَيِّبًا مباركًا فيهِ، وإنْ عصى اللهَ فأخذَهُ بسبيلٍ حرامٍ جاءَهُ ما قسمَهُ اللهُ خبيثًا منزوعَ البركةِ، محفوفًا بالأوزارِ.
هذا نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- يُعلِّمنا قائلًا: «إنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى يُسْتَوْفَى رِزْقُهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ»(رواه ابن أبي شيبة)([7]).
وها هوَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ينهى تلكَ المرأةَ التي تَزوَّجَ عليها زوجُها، فتراها تسعى في خرابِ بيتِ ضَرَّتِها، تخشى رِزقَها ورِزقَ عيالِها، تسألُ زوجَها طلاقَها فينهاها صلى الله عليه وسلم أَنْ تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا؛ قائلًا: «فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَازِقُهَا»(رواه مسلم)([8]).
وإنَّ مِنْ أقبحِ مَنْ غفَلَ عَنْ هذهِ الحقيقةِ، مَنْ باعَ دينَهُ بالدُّنيا، إنَّهُمْ المُزوِّرونَ المُبدّلونَ للدِّينِ، مِنْ علماءِ السُّوءِ المُبطلينَ، الذينَ كتموا الحقَّ ولَبَسُوهُ بالباطلِ، وغيَّروا الملَّةَ، بحثًـا عَنْ رِزقٍ مظنُونٍ، فاشتروا بآياتِ اللهِ ثمنًـا قليلًا؛ يقول النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ»(رواه أحمد)([9]).
إنَّهُ الشَّيطَانُ الذي يَعِدُ أولياءَهُ الفقرَ إنْ أطاعوا اللهَ، ولكنَّ اللهَ وعدَ عبادَهُ المتَّقينَ فقالَ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق: 2-3]، ومَن أوفَى بعَهدِه مِنَ الله -يا عبادَ الله-؟!
إنَّ الأمَّةَ بمجموعِها عندمَا تستسلمُ لأمرِ اللهِ فتُطبِّقُ شرعَهُ في اقتصادِها فتنأَى عَنْ الرِّبا والميسِرِ والـمُكُوسِ والبُيوعِ المحرَّمةِ، وتُقيمُ تجارَتَها ومُعاملاتِها وكَسْبَها وَفقَ أحكامِ الشَّريعَةِ، سيأتيها رزقُها رَغدًا مِنْ كلِّ مكانٍ، وتحُلُّ عليها البركاتُ، وتملأُ حياتَها الطَّيِّباتُ؛ كمَا قالَ تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الأعراف: 96].
ومتى أعرضَتِ الأمّةُ عَنْ شَرعِ اللهِ، نزَعَ الرَّزَّاقُ بركةَ رِزقِهِ منها، فكانَ الجوعُ والفقرُ والحاجةُ؛ كمَا قالَ سبحانَهُ: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل: 112].
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه؛ إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.
الخُطبة الثَّانية:
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:
في الوَقتِ الذي تبحَثُ فيهِ شتَّى الأممِ عَنْ أهمِّ عناصرِ العُمرانِ وهوَ الإنسانُ، فتراهُمْ يستقطِبُونَ الكوادِرَ بكلِّ سبيلٍ، تراهُمْ يَكيدُونَ للمُسلمينَ لإضعافِ نَسلِهمْ تحتَ أسماءٍ برَّاقةٍ خادِعةٍ، وكانَ منْ أكثرِ الأكاذيبِ التي انطلَتْ على كثيرٍ منْ الأُسَرِ المسلمَةِ تحديدُ النَّسلِ لأجلِ الرِّزقِ، فباتَتْ قناعةً لدى قِطاعاتٍ عريضةٍ، أنْ تكتفي الأسرةُ بولَدينِ حتى لا تفتقِرَ، معَ أنَّ اللهَ -تعالى- وعدَ برَزقِ الذُّرّيةِ وإنْ خُشِيَ الفقرُ؛ فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)[الإسراء: 31].
وحثَّنا نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- على النَّسلِ المبارَكِ فقال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ»(رواه أبو داود)([10]).
إنَّها ليسَتْ دعوةً للتَّكاثُرِ دونَ مسؤوليةٍ، إنَّما هيَ دعوةٌ شرعيةٌ للإكثارِ منَ النَّسلِ الصَّالحِ الذي تقومُ بهِ الأمَمُ، وتُبنى الحضاراتُ، بعيدًا عنْ تُرَّهاتِ العَلمانيينَ وتواكُلِ المفرِّطينَ.
اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلبِرِّ وَالتَّقوَى. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
-----
([1]) جامع الترمذي (3458)، من حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1989).
([2]) صحيح البخاري (6099)، وصحيح مسلم (2804)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
([3]) مسند أحمد (17800)، من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1724).
([4]) جامع الترمذي (284)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في تخريج الكلم الطيب (98).
([5]) حلية الأولياء (7/90)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (952).
([6]) جامع الترمذي (2344)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (310).
([7]) مصنف ابن أبي شيبة (34332)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2866).
([8]) صحيح مسلم (1408)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([9]) مسند أحمد (11474)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/324).
([10]) سنن أبي داود (2050)، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1784).
التعليقات