خطورة الإسراف وكفران النعم

صغير بن محمد الصغير

2026-01-18 - 1447/07/29
عناصر الخطبة
1/النعمة لا تدوم لمن كفرها 2/سنة الجوع والآلام 3/عبرة من قصة أهل سبأ 4/التحذير من الإسراف 5/عقوبات هلاك المسرفين 6/كيفية شكر النعم 7/ من أعظم صور كفر النعمة.

اقتباس

وتُعدّ سنة الرحمة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا عام سبع وثلاثين وثلاثمئة وألف للهجرة هي الأشد وطأة في الجزيرة، وحدث مع الجوع الذي حل بالناس مرض الطاعون الذي أفنى قرًى ومدناً بأكملها، لدرجة لجوء بعض المشيعين إلى خلع أبواب المنازل لاستخدامها في نقل جنائز الموتى بعد أن تحطمت النعوش المتوفرة، ورجحت بعض الآراء تسميتها بسنة الرحمة إلى كثرة الترحم على الأعداد الهائلة من الموتى ذلك العام....

الخُطْبَة الأُولَى:

 

 الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، نحمده -سبحانه- حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجينا من المهلكات، ونشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالرحمات، والدالّ على الخيرات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الميعاد.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131] فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى مفتاح كل خير، وسبب لكل نصر، وحصن من كل شر، بها تُحفَظ النعم، وتُدفَع النقم، وتثبت الأقدام في زمن الفتن والابتلاءات.

 

أيها الإخوة: إن من سنن الله الجارية في عباده، أن النعمة لا تدوم لمن كفرها، ولا تستمر لمن أساء استعمالها. ومن تأمل سنن الله في التاريخ، وجد أن الجوع والخصب، والنقص والوفرة، ليسوا حوادث عابرة، بل آيات يُذكِّر الله بها عباده، لعلهم يرجعون.

 

يحدثنا التاريخ في الجزيرة العربية، قبل سنين ليست بالبعيدة، عاش الناس فيها شدةَ الجوع وقسوة الحاجة، حتى كانت المجاعات تقلب البيوت إلى ساحات صبر، والقرى إلى ميادين ابتلاء.

 

كان الفقير يبيت على تمرة، والطفل ينام على جوع، والناس يتواصون بالقناعة، ويتقاسمون الفتات وكأنهم يقتسمون الذهب.

 

وتُعدّ سنة الرحمة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا كما تسمى، أو سنة الصخنة أو السخونة عام سبع وثلاثين وثلاثمئة وألف للهجرة هي الأشد وطأة في الجزيرة وحدث مع الجوع الذي حل بالناس مرض الطاعون الذي أفنى قرًى ومدناً بأكملها، لدرجة لجوء بعض المشيعين إلى خلع أبواب المنازل لاستخدامها في نقل جنائز الموتى بعد أن تحطمت النعوش المتوفرة، ورجحت بعض الآراء تسميتها بسنة الرحمة إلى كثرة الترحم على الأعداد الهائلة من الموتى ذلك العام، ويقال أيضًا إنه في هذا العام وسنة الجوع أصيب الناس بمرض أو فرط نهم الطعام ولا يمكن لأحدهم أن يشبع مهما أكل.

 

ذلك الجوع لم يكن مجرد فقر في الموارد، بل كان سُنّة من سُنَن الله، يبتلي بها العباد، ويُعلّمهم أن النعمة لا تُؤخَذ حقًّا إلا بشُكْر، ولا تُصان إلا بتقوى.

 

فما أشد المفارقة بين ماضٍ كان يُقدَّر فيه القرص اليابس، وحاضرٍ تُلقى فيه النعم في المهملات!

 

وما أبلغ العظة حين نعلم أن الإسراف اليوم خيانة لذاك الجوع، وكفرٌ بالنعمة التي جاء بها الله بعد البلاء.

 

ثم لنتأمل في قصة سبأ، قومٌ أنعم الله عليهم بخيرٍ لا يُوصف، وماءٍ لا ينقطع، وبلدةٍ طيبة، وربٍ غفور. قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)[سبأ: 15]؛ ولكنهم أعرضوا، وأسرفوا، وكفروا بالنعمة، فجاءتهم العقوبة من حيث لا يحتسبون قال -تعالى-: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)[سبأ: 16]، فإذا بالجنان تتبدد، والرخاء يتلاشى، والمُلك ينهار.

 

إن الله لم يهلكهم دفعة واحدة، بل أراهم الآية، وأمهلهم، وذكّرهم، ولكنهم أبَوا إلا الغفلة، فما أعظم عدله! وما أشد انتقامه ممن أعرض عن شكره!

 

أيها الإخوة: الإسراف منهي عنه حتى في المأكل والمشرب قال -تعالى-: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[الأعراف: 31]، قال الإمام الخازن -رحمه الله-: "وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء؛ لأن محبة الله -تعالى- عبارة عن رضاه عن العبد، وأيضًا إيصال الثواب إليه وإلا لم يحبه علم أنه -تعالى- ليس راضيًا عنه؛ فدلت الآية على الوعيد الشديد في الإسراف"(لباب التأويل في معاني التنزيل 2/ 194).

 

والإسراف لا يقتصر على الطعام أو الشراب مع النهي عنه، بل يتسلّل إلى المال، والوقت، والمشاعر، والكلام، وحتى في أبواب الدين، من الغلوّ والتشدد، ما يُخرج العبد عن حدّ الاعتدال؛ قال -تعالى-: (وَآتُوا حَقَّهُ يَومَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[سورة الأنعام: 141]، وكان سعيد بْنِ جُبَيْرٍ -رحمه الله- يُفسّر قوله -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[سبأ: 39]، فيقول: "ما أنفقتم فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ فإن الله يُخلفه"؛ فربّ كلمة زائدة أوقعت فتنة، وربّ مالٍ أُهدر كان أول أبواب الفقر، وربّ إسرافٍ في النعمة أتى بعقوبة لا تُردّ.

 

وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة"(رواه البخاري)؛ فالاعتدال هو منهج النبوة، وهو طريق النجاة، أما من جاوز الحد فقد خرج من زمرة المتقين، وأشبه المترفين الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)[سورة الإسراء: 16].

 

عباد الله: الإسراف منهي عنه في كل شيء حتى فِي الْحَمْلِ على الدواب كما قال الإمام القرطبي -رحمه الله-.

وأرسل الله الرسل بالبينات لعباده كي لا يجاوزوا الحد بالإسراف؛ فخالفوا ذلك وأسرفوا؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)[سورة المائدة: 32]؛ فنهانا الله عن طاعتهم، قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ)[سورة الشعراء: 150- 151].

 

عباد الله: هلاك المسرفين المتجاوزين عن الحد بالفسق والكفر سُنّة من سنن الله في خلقه، قال -تعالى-: (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ)[سورة الأنبياء: 9]؛ وهلاكهم لا يقتصر على الدنيا بل وعدوا بالنار في الدار الآخرة؛ قال -تعالى-: (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)[سورة غافر: 43].

 

عباد الله: ولم يكن للإسراف عيب سوى أنه من خصال فرعون التي اتصفت بالعذاب المهين لكفى. قال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَونَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ)[سورة الدخان: 30- 31].

 

فيا من أنعم الله عليه، تذكّر الجوع في سابقينا، وانظر الجوع فيما ابتُلي به بعض الناس اليوم، وقصة سبأ، وسنن الله التي لا تتبدل، فإن الشكر حفظٌ للنعم، والإسراف بوابة لزوالها، وكفر النعمة يسبق العقوبة.

 

وأخرج الإمام البيهقي في شعب الإيمان عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَأَى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَمَسَحَهَا، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللهِ -عز وجل- فَإِنَّهَا مَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ"(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 4236).

 

فكن عبدًا شكورًا، لا مسرفًا، واذكر نعمة الله عليك آناء الليل وأطراف النهار، فكم من مُترفٍ اليوم يصبح مُعذَّبًا غدًا، بسبب إسراف لم يُنكر، ونِعمة لم تُشكر.

 

اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين، وأعذنا من الإسراف وكفر النعمة، واجعلنا ممن إذا أُنعِم شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، إنك أنت الغفور الرحيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده ونشكره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له النعمة وله الفضل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على ما أولاكم من النعم، فإن الشكر حارس النعمة، وضامن بقائها، وسبب في زيادتها، قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)[إبراهيم: 7].

 

أيها الأحبة في الله: إن شكر النعم لا يكون باللسان فقط، بل له عوامل يقوم عليها، لا يصح إلا بها، ومن أعظمها:

أولاً: معرفة النعمة وتذكّرها، فالعبد لا يشكر ما لا يعرف، قال الله -تعالى-: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)[سورة لقمان: 20]، والمؤمن ينظر إلى نِعَم الله عليه في صحته، وأمنه، وماله، وأهله، وعقيدته، فيتفكر ويستحيي أن يُقابلها بالجحود أو الغفلة.

 

ثانيًا: نسبة النعمة إلى الله؛ فمِن الناس مَن ينسب النعمة إلى نفسه، أو إلى غير الله، وهذا من أعظم صور كفر النعمة، قال -تعالى- عن قومه قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)[القصص: 78]، فخسف الله به الأرض. فقل دائمًا: هذا من فضل ربي.

 

ثالثًا: استخدام النعمة في طاعة الله، فمن شكر المال: أن يُنفَق منه، ومن شكر العلم: أن يُعمَل به، ومن شكر الصحة: أن تُصرَف في عبادة الله، أما مَن يستعمل النعم في معصية الله، فقد سلب نفسه أعظم أبواب الشكر.

 

رابعًا: الرضا بالقليل؛ فمن الناس من لا يشكر إلا إذا كثُر المال، أو ارتفعت المنزلة، أما المؤمن، فهو يشكر في كل حال، حتى مع القليل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا"(رواه الترمذي وحسنه الألباني).

 

خامسًا: الاعتراف بالتقصير؛ فكلما شكر العبد ربه، أدرك أنه لا يستطيع أداء حق الله الكامل، فيزيده ذلك تواضعًا وخضوعًا، ويقول كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر"؛ فالشكر اعتراف من العبد بنِعَم الله -عز وجل-.

 

عباد الله: فلنلزم شكر الله في السر والعلن، ولندعوه أن يُديم علينا وعلى المسلمين نعمه ظاهرة وباطنة.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[سورة الأحزاب: 56].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life