الأخوة في الدين منهاج السلم والأمان

الشيخ محمد سليم محمد علي

2026-01-23 - 1447/08/04 2026-01-25 - 1447/08/06
عناصر الخطبة
1/التحذير من الاعتداء على الأنفس المعصومة 2/إنما المؤمنون إخوة 3/التحذير من الفرقة والتنازع 4/الحث على الاعتصام والألفة

اقتباس

الأصلُ في العلاقاتِ بينَ المسلمينَ هو السِّلْمُ الدائِمُ بينَهم، والأمنُ في مجتمعاتِهم؛ فلا يعتَدِي أحدٌ على أحدٍ، ولا يظلِمُ مسلمٌ مُسلِمًا؛ لأنَّهم إخوةٌ مِنْ آدمَ وحوَّاءَ؛ وهي أُخوَّةُ الإنسانيَّةِ، ولأنهم إخوةٌ في الإسلامِ والدينِ؛ وهي أُخوَّةٌ تُحرِّمُ على المُسلمِ دمَ أخيه ومالَه وعِرْضَه...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ؛ جَعَلَ شعبَنا -بعائلاتِه الكريمةِ وعشائرِه الأصيلةِ- إخوةً في الدينِ والحُرمةِ، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ قال في القرآنِ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الْحُجُرَاتِ: 10]. فالأُخُوَّةُ والحُرمةُ -يا مسلمون- عقدٌ عقدَه اللهُ بينَكم في بيتِ المقدسِ وأكنافِه، كما عقَدَه بينَ المسلمينَ كافةً.

 

فأحِبُّوا لكل مُسلمٍ في القُدسِ وأكنافِها ما تُحبُّون لأنفسِكم، وَاكْرَهُوا لَهُمْ مَا تَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِكُمْ؛ فاجتنِبوا القتالَ وأسبابَه، وخُذُوا على يدِ الشيطانِ فلا تَدَعُوه يُحرِّشُ بينَ عائلاتِكم وعشائرِكم، فحُبُّ القرآنِ يجمعُكم، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ تَفصِلُ بينَكم؛ والمسجدُ الأقصى حقيقٌ أَنْ يَزْجُرَكُمْ عن كل فُرقةٍ وفتنةٍ وخلافٍ.

 

وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه؛ قال لنا أكثرَ من مرةٍ: "المُؤمنُ أخو المُؤمنِ؛ لا يظلمُه، ولا يخذُلُه، ولا يَحقِرُه"، وقالَ: "المُؤمنُ للمُؤمنِ كالبُنيانِ يشُدُّ بعضُه بعضًا"؛ فإيَّاكم إيَّاكُم أن تخرِقُوا سفينةَ بَيْتِ الْمَقدسِ وأكنافِه، أو أَنْ تُغرِقُوا حُرمتَها في بحرِ النِّزاعاتِ والخلافاتِ بينَكم، وإيَّاكم -يا عبادَ اللهِ- أَنْ يغيبَ عن بالِكم -وقتَ الفتنة والنِّزاعات- قولُ رسولِكم -صلى الله عليه وسلم-: "لا ترجِعُوا بعدِي كُفَّارًا يضرُبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ". فاللهمَّ اجعَلْ عشائِرَنا سِلمًا فيما بينَها، واجعَلْ عائلاتِنا أمنًا لبعضِها البعضِ.

 

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. اللهمَّ بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيد. اللهمَّ وصلِّ على التابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ القيامةِ.

 

أما بعدُ، أيُّها المؤمنون: حصلَت خُصومَةٌ بين رجُلَين مِنَ الأنصارِ في خلافٍ بينَهما على حقٍّ تنازَعَا عليه؛ فقال أحدُهما للآخَرَ: "لآخُذَنَّ حَقِّي عَنْوَةً" -يعني يُريدُ أَنْ يأخُذَ حقَّه رغمًا عنه، كما يُقالُ في العاميَّة "خاوَة"، وكما يفعلُ بعضُ الناسِ اليومَ-؛ وذلك لأنَّ هذا الأنصاريَّ مُعتزٌّ بعشيرتِه، وكان حديثَ عهدٍ بالإسلامِ.

 

وأما الرجلُ الثاني فدعاهُ إلى الاحتِكام إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وهذا هو الأصلُ في المُسلمِ؛ فلا يحتكِمُ إلَّا إلى اللهِ ورسولِه، ولا يحتكِمُ إلى أعرافٍ وعاداتٍ تُخالِفُ حُكمَ الشرعِ والدينِ.

 

يا عبادَ اللهِ: رفضَ المُعتزُّ بعشيرتِه، وأصرَّ على أخذِ حقِّه عَنْوَةً من أخيه المُسلِم -كما هو مُعَشْعِشٌ في رؤوسِ الشبابِ اليومَ، الذي يرى رُجولتَه في عشيرتِه، ولا يراها في الاحتِكامِ إلى اللهِ وشريعتِه-. والنتيجةُ في الاعتزازِ بالعشيرةِ على غيرِ الحقِّ معروفةٌ؛ وهي الاقتِتالُ. ولذلك اقتَتَلَ الرجُلانِ، وضربَ بعضُهم بعضًا بالنِّعَال والأيَادي والسُّيُوف، فكانت هذه الحادِثةُ سببًا من أسبابِ نُزولِ قولِ اللهِ -تعالى-: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)[الْحُجُرَاتِ: 9].

 

أيُّها المسلمون: الأصلُ في العلاقاتِ بينَ المسلمينَ هو السِّلْمُ الدائِمُ بينَهم، والأمنُ في مجتمعاتِهم؛ فلا يعتَدِي أحدٌ على أحدٍ، ولا يظلِمُ مسلمٌ مُسلِمًا؛ لأنَّهم إخوةٌ مِنْ آدمَ وحوَّاءَ؛ وهي أُخوَّةُ الإنسانيَّةِ، ولأنهم إخوةٌ في الإسلامِ والدينِ؛ وهي أُخوَّةٌ تُحرِّمُ على المُسلمِ دمَ أخيه ومالَه وعِرْضَه؛ فعلاقةُ الأخوةِ هذه يجبُ أن تكونَ متينةً؛ لا يتخلَّلُها اقتِتالٌ، ولا يشُوبُها كراهيةٌ ونِزاعٌ وشِجارٌ، فمتى نَفْقَهُ قولَ ربِّنا -عز وجل-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)؟! إخوةٌ في دينِ العدلِ والأمنِ والسِّلْمِ، وإخوةٌ في الحُرمةِ التي شِعارُها: "المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمون مِنْ لسانِه ويدِه".

 

يا مسلمون: ولكِنْ إذا حرَّشَ الشيطانُ بينَ المُؤمنينَ في لحظةِ غضبٍ، أو ساعةِ غفلَةٍ عن هذه الأُخُوَّة؛ فقد أوجَبَ اللهُ على الطرفَينِ المُتنازِعَينِ التوقُّفَ عن الشِّجارِ، وأوجَبَ على المُسلمين منعَهم مِنَ الاقتِتالِ، وطلَبَ منهم أن يُصلِحوا بينَهما بالعدلِ، فقال الله -سبحانه-: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ)[الْحُجُرَاتِ: 9]، وقال أيضًا: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الْحُجُرَاتِ: 10]؛ فالواجبُ عند الصُّلحِ بينَ العائلاتِ أن نستحضِرَ جميعًا أخوةَ الدينِ، وأَنْ نخلَعَ من قلوبِنا وعقولِنا "أخوةَ العشيرة".

 

أيُّها المؤمنون: وفي الحادِثة التي ذكرناها قبلَ قليلٍ: دعَا الصحابيُّ أخاهُ الصحابيَّ الآخَرَ إلى التحاكمِ إلى شريعةِ اللهِ، وفي هذا تذكيرٌ لإخوانِنا من رجالِ الإصلاحِ -حفِظَهم اللهُ، وبارَك في جهودِهم-؛ تذكيرٌ لهم أن يُصحِّحوا أحكامَهم إِنْ خالَفَتْ شرعَ الله -تعالى-.

 

يا عبادَ اللهِ، يا أهلَ الإسلامِ: وفي النزعةِ الجاهليَّةِ التي أخذَتِ الصحابيَّ الذي اعتزَّ بعشيرتِه -وكان كما قلنا حديثَ عهدٍ بالإسلام- دعوةٌ لكلِّ أبناءِ شعبِنا الفلسطينيِّ أَنْ يخلَعُوا النزعةَ العشائريةَ، والحميَّةَ للعائلةِ والعشيرةِ؛ كما ينزعُ أحدُكم قميصَه المُتَّسِخَ ويلقِي به بعيدًا؛ بعدَ أن أكرمَكم اللهُ برابطةِ الأُخُوَّةِ في الدينِ، والاعتِصامِ بكتابِه وسُنَّةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ اللهَ -سبحانه- قدَّر لشعبِنا أَنْ يكونَ على هذه الأرض المُقدَّسة بمجموعِ عشائرِه وقبائلِه وحمائلِه المُكوَّنةِ مِنْ مجموعِ العائلاتِ في كافَّةِ المُحافَظاتِ؛ وهذه سُنَّةُ اللهِ -تعالى- في الناسِ جميعًا؛ فقد قال في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)[الْحُجُرَاتِ: 13].

 

أيُّها المُؤمنون: خلقَكم اللهُ شعبًا مِنْ شعوبِ الأرضِ، وجزءًا مِنْ أمةِ الإسلامِ؛ لتتَّحِدُوا على كلمةِ اللهِ، ولكي تعتصِمُوا بكتابِ اللهِ، ولكي تجتمِعُوا على سُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ ولكي تكونوا نسيجًا مُتميِّزًا في المحبَّةِ والإخاءِ والتكافُلِ.

 

فهل اتَّحَدَتْ عشائِرُكم على كلمةِ اللهِ؟ وهل اعتصَمَتْ عائلاتُكم بكتابِ اللهِ؟ وهل اجتمَعَتْ قبائلُكم التي تجمَعُها الأنسابُ والأصهارُ على سُنَّةِ حبيبي وحبيبِكم محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؟

 

أيُّها المسلمون: خلقَكم الله على هذه الأرض المُقدَّسة، وجعلَكم فيها أنسابًا وأصهارًا وحمائلَ وعشائرَ؛ لكي تتعارَفُوا فيما بينَكم على الحقِّ واتِّباعِه، وليس لكي تتشاجَرُوا وتتقاتَلُوا؛ فقد قال -سبحانه-: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)[الْحُجُرَاتِ: 13]، فَذَكَرَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِكُمْ قَبَائِلَ؛ وَهِيَ: "لِتَعَارَفُوا"؛ وَلَيْسَ لِتَشَاجَرُوا أَوْ لِتَقَاتَلُوا.

 

فما أسوأَ هذه الأخلاقَ التي صارَ الشجارُ فيها بينَكم بالسياراتِ! وما أسوأَ هذه النفوسَ التي رانَ عليها الجهلُ والخرابُ! (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[الْأَعْرَافِ: 179].

 

أين حُسنُ الجوارِ الذي أمرَكم اللهُ به؟ أين حُسنُ العِشرةِ بينَ الأصهارِ التي أوجَبَها اللهُ عليكم؟ أينَ التراحمُ والتكافُل والتلاحمُ بينَ أبناءِ المسلمينَ الذي هو مِنْ أولِ الواجِبات عليكم في هذا الوقتِ؟

 

كم من خُطَبِ الجُمعةِ يحتاجُ الناسُ حتى يفقَهوا قولَ ربِّهم: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الْحُجُرَاتِ: 13]؟!

 

يا أصحابَ القرآنِ، يا أهلَ الإسلامِ في القُدسِ وأكنافِها: إنَّ اللهَ يقول لكم في هذه الآية: إنَّ عشائِرَكم وعائلاتِكم متساوِيَةٌ؛ لا فضلَ بينَها إلا بالتقوى، وهذا يعني أن تُشمِّرَ العائلاتُ والعشائِرُ عن ساقِ الإيمانِ والتقوى؛ فتبذُلَ قُصارَى جُهدِها في التنافسِ بينَها في تقوى اللهِ ومخافتِه.

 

أما التنافسُ في التفاخُر بالأحسابِ، وفي الطعنِ في الأنسابِ، وفي العنترِيَّاتِ التي سُوقُها كاسِدةٌ بينَ الصالحينَ؛ فكلُّه لا يليقُ بكم وأنتُم تعيشون ظروفًا استثنائيَّةً، تُلِحُّ عليكم أن تكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا، كما وصفَكم رسولُكم -صلى الله عليه وسلم-.

 

فيا مسلمون: إنَّ هذه جاهليَّةٌ مُنْتِنَةٌ، فألقُوها خلفَ ظهورِكم، فكم هَرِمْنا ونحنُ ننتظرُ أن تعودَ الأمةُ إلى دِينِها! وكم هَرِمنا ونحنُ ننتظرُ عودةَ العشائرِ والعائلاتِ إلى دستورِ ربِّها: كتابًا وسُنَّةً نبويةً!

 

فيا أهلَ بَيْتِ الْمَقدسِ وأكنافِه: إنَّ أكرمَكم عندَ اللهِ وعندَ صالحِ المؤمنينَ هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ؛ الذي لا غِلَّ فيه ولا حسَدَ؛ وليس ابنَ العائلةِ الفلانيَّةِ، أو ابنَ العشيرةِ التي تتفاخَر بكثرةِ ذُكورِها؛ فبِئسَ هذا التفاخُرُ في غيرِ مكانِه وزمانِه؛ فهؤلاء قلوبُهم فارِغةٌ مِنَ الإيمانِ، وعُقولُهم تُعَشْعِشُ فيها أفكارُ الجهلِ والعِصيانِ، وقد قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللهَ أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وفخرَها بالآباءِ؛ الناسُ مُؤمنٌ تَقِيٌّ، أو فاجرٌ شَقِيٌّ؛ أنتُم بنو آدمَ، وآدمُ مِنْ تُرابٍ".

 

يا أبناءَ الإسلامِ، ويا أتباعَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: شعبُكم الفلسطينيُّ هو أَبٌّ لعشائرِكم جميعًا؛ فكثيرًا منكم يجمعُهم النَّسَبُ والقرابةُ، وما يَحدُثُ بين الفينةِ والأخرى مِنْ جرائمِ القتلِ، ومِنَ النِّزاعاتِ التي تعتدُون فيها على دماءِ بعضِكم، وعلى أموالِهم؛ كلُّه ليس من أخلاقِكم. فأنتُم خُلِقتُم لتكونوا قلبًا واحدًا، ويدًا واحدةً على محبَّةِ اللهِ، وعلى طاعةِ رسولِكم -صلى الله عليه وسلم-. فهل تفقهون ما أقول؟ وهل تُطيعون اللهَ ورسولَه؟ فتفوزون فوزًا عظيمًا.

 

اللهمَّ اجعَلْنا من الذينَ يستمعونَ القولَ فيتَّبِعون أحسنَه. اللهمَّ ألِّفْ بينَ قلوبِ عائلاتِنا، ووحِّدْ صفوفَ عشائرِنا، واجمَعْ شملَهم على ما تحبُّه وترضاه. اللهمَّ أَرِنَا الحقَّ حقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأَرِنَا الباطلَ باطلًا وارزُقنا اجتِنابَه.

 

عبادَ اللهِ: استغفِروا اللهَ وتوبوا إليه، وادعوه وأنتُم مُوقنون بالإجابةِ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ؛ أكرمَنا بالإسلامِ، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ جمعَنا على الإيمانِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه؛ قُدوتُنا في الخيرِ والهُدى والصلاحِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، وعلى التابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ القيامةِ.

 

أما بعدُ، يا أهلَ الإسلامِ والدينِ: مَنْ سَوَّلَتْ له نفسُه قتلَ مسلمٍ، أو الاعتِداءَ عليه بيدِه أو بحديدةٍ؛ فقد ساءَت أخلاقُه، وخلَعَ الإيمانَ حتى يتوبَ، وهو بذلك يرتكِبُ عدةَ مُخالَفات: وهي أنَّه قتلَ نفسًا مسلمةً بغيرِ حقٍّ، أو شاركَ في قتلِها بغيرِ حقٍّ؛ فهذا عليه غضبُ اللهِ ولعنَتُه.

 

وأنَّه عصَى النبيَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ؛ كحُرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا".

 

يا أهلَ بَيْتِ الْمَقدسِ وأكنافِه: ومَنْ قتلَ أو شاركَ في قتلِ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ فكأنَّه اعتَدَى على حُرمةِ مكةَ، وعلى حُرمةِ المسجدِ الحرامِ، وعلى حُرمةِ الشهرِ الحرامِ، وعلى المسجدِ الأقصى. فيا خيبةَ وخُذلانَ مَنْ كان هذا شأنَه!

 

ألَا تستدرِكون أمورَكم؟ فإنَّ مَنْ قتلَ مسلمًا منكم، أو شاركَ في قتلِه؛ فقد شاركَ في قتلِ مُصَلٍّ وعابِدٍ من الذين يَغْدُونَ ويَرُوحُون إلى المسجدِ الأقصى، وهو بذلك يُنقِصُ عددَ المسلمينَ في الأرضِ المُقدَّسةِ؛ فيعظُمُ وزرُه وإثمُه.

 

يا من تُسَوِّلُ له نفسُه قتلَ أخيه المسلمِ لحاجةٍ من حوائِج الدنيا الفانية: إذا تجرَّأتَ وقتلتَ مسلمًا صالحًا يُؤدِّي الفرائِضَ، ويحرِصُ على أداء الفرائِض؛ فأنتَ حينئذٍ تكونُ قتلتَ وليًّا مِنْ أولياءِ اللهِ، وقد فتحتَ على نفسِكَ بابَ الحربِ مع اللهِ، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ -تعالى- في الحديثِ القُدسيِّ: "مَنْ عادَى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحرب"؟

 

فكونوا -يا مسلمون- حينَ الفتنةِ والشجارِ كخير ابنَيْ آدمَ حيث قال لأخيه: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الْمَائِدَةِ: 28]، فَاهْزِمُوا هَوَاكُمْ، وَخَالِفُوا شَيَاطِينَكُمْ؛ وَلَا تَرْفَعُوا أَيَادِيكُمْ إِلَّا لِنَفْعِ أَنْفُسِكُمْ أَوْ لِنَفْعِ النَّاسِ، يقول رسولُنا -صلى الله عليه وسلم-: "إذا التقَى المسلمانِ بسيفَيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ".

 

أيُّها المؤمنون، يا أحبابَ الرسولِ: أولُ جريمةٍ في الأرضِ هي جريمةُ القتلِ بينَ الأخِ وأخيه، بسببِ الحسدِ على متاعِ الدنيا الزائلِ، وقد تحمَّل هذا القاتلُ لأخيه إثمَ كلِّ قاتلٍ بعدَه للنفسِ بغيرِ حقٍّ؛ فقد قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُقتَلُ نفسٌ ظُلمًا إلَّا كان على ابنِ آدمَ الأولِ كِفْلٌ مِنْ دمِها؛ لأنَّه كان أولَ من سَنَّ القتل"، فلماذا -أيُّها الجاهلُ- تقتُلُ غيرَكَ وتعتَدِي عليه؟ ألَا تعلمُ أنَّ مصيرَك مشؤومٌ كعملِكَ المشؤومِ، وأنَّكَ وقابيلَ في الجريمةِ وفي المصيرِ سواءٌ؟

 

فيا أيَّتُها العائلاتُ المُحترَمة، ويا أيَّتُها العشائرُ الكريمةُ: أصلِحوا ذاتَ بينكم بتركِ النزاعِ والشجارِ والاقتِتالِ؛ حتى يظلَّ الترابُطُ حِصنَكم الذي تأوون إليه.

 

واعلموا -رحمكم الله- أن كفَّ أياديكم وشرورِكم عن بعضكم البعض أفضلُ عندَ اللهِ من صلاةٍ وصدقةٍ نافلةٍ؛ لأنَّ كفَّ الأيادي والشرور يعودُ نفعُه عليكم جميعًا، أمَّا النوافِل فنفعُها خاصٌّ بآحادِكم، ولأنَّ صفةَ المجتمع المُسلم -بعائلاتِه وعشائرِه- أنَّ نفعَه يَعُمُّ المجتمعَ كُلَّه، ولا نفعَ أفضلَ مِنْ أن تكونَ العائلاتُ والعشائرُ تحتَ سقفِ الأُخُوَّةِ في الدينِ، وفي بيتِ الاجتماعِ على حُبِّ المؤمنينَ.

 

وهذا ما يرضاه اللهُ لكم ومنكم في هذه الديارِ المُبارَكةِ؛ فبارِكوها بالإيمانِ والالتفافِ حولَه؛ فأنتم خاصةُ اللهِ من عبادِه في هذا الزمانِ؛ فهل تنهضُون جميعًا -عائلاتُكم وعشائرُكم- لترجمةِ هذه الخُطبةِ لتكونَ واقعًا نعيشُه ونحياهُ في القُدسِ المُقدَّسةِ، وفي المسجدِ الأقصى المُبارَكِ؟

 

يا أهلَ الإسلامِ، يا أحبابَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: وأنتُم تعيشون ذكرى الإسراء والمعراج؛ تذكَّروا أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أسَّس لكم البيتَ الفلسطينيَّ المُسلمَ؛ وأنَّكم -بعائلاتِكم وعشائرُكم- نسلُ أصحابِه والتابعينَ لهم بإحسانٍ، فلا تهدموا بيتَكم بالخلافاتِ والنزاعاتِ والاقتِتالِ؛ فهذا البيتُ الذي تأوِي إليه عشائرُكم هو حِصنُكم الذي لا حِصنَ لكم غيرَه.

 

فاللهمَّ بارِكْ لنا في أُخُوَّتنا في الدين، اللهمَّ بارِك لنا في مقامِنا في الأرضِ المُقدَّسةِ، اللهمَّ بارِك لنا اجتماعَنا على محبَّتِكَ في المسجدِ الأقصى، اللهمَّ بارِك عائلاتِنا المُسلمةَ بالإيمان، وزيِّنْ عشائرَنا بالتقوى والرضوانِ، اللهمَّ اجعَلْ أقصانَا في أمانِكَ وحِرزِكَ وضمانِكَ، وارزُقنا الغُدوَّ والرواحَ إليه في كل وقتٍ وحينٍ.

 

اللهمَّ انصُر الإسلامَ والمسلمينَ، وأَعْلِ كلمةَ الحقِّ والدينِ، اللهمَّ أطلِقْ سَراحَ الأسرى والمُعتَقَلينَ، وأنزِل شفاءكَ بالمرضى والمُبتلينَ، واقضِ الدَّينَ عن المدينينَ، اللهمَّ فرِّج كُرُبَاتِ المكروبينَ، وارفع الظُّلمَ عن المظلُومين.

 

وارحمنا برحمتِكَ الواسعةِ يا أرحمَ الراحمينَ؛ اللهمَّ بلغنا شهر رمضان، وارزُقنا إحسانَ صيامِه، وارزُقنا إحسانَ قيامِه، واجعلنا من عُتَقائِه من نارِ جهنمَ -نحنُ ووالِدِينا وسائر المؤمنين-.

 

اللهمَّ اغفر لنا ولوالدينا ولزوجاتنا وذرارينا، واغفِرِ اللهمَّ للمسلمينَ والمسلماتِ؛ الأحياءِ منهم والأمواتِ، واختِمْ أعمالَنا بالصالحاتِ، وارزُقنا الدرجاتِ العُليا في جناتِ النعيمِ.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكُروا اللهَ العظيمَ يذكُركم، واشكُرُوه يزِدكم، واستغفِرُوه يغفِر لكم، وأنتَ يا مُقيمَ الصلاةِ أقِمِ الصلاةَ؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

 

المرفقات

الأخوة في الدين منهاج السلم والأمان.doc

الأخوة في الدين منهاج السلم والأمان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات