عناصر الخطبة
1/ذلُّ المتكبرين يوم القيامة 2/سببُ الكِبْر وأنواعُه 3/اللهُ ذو الكِبرياء 4/شرف المؤمن في عبوديَّته لربه.اقتباس
أتعلمُ لماذا لعنَ اللهُ إبليسَ وطردَهُ منْ رحمتِهِ؟.. أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ لآدمَ -عليهِ السَّلامُ-، وكانَ بينَ الملائكةِ إبليسُ، عابدًا للهِ -تعالى-؛ فما إنْ سمعَ أمرَ اللهِ بالسُّجودِ حتى امتنعَ، وما منعَهُ إلا...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ العليِّ الكبيرِ، لهُ الكبرياءُ في السَّماواتِ والأرضِ فكلُّ متكبرٍ سواهُ ذليلٌ حقيرٌ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتَّقُوا اللهَ -عبادَ اللهِ- حقَّ التَّقوى، وراقِبُوهُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
عِبادَ الله: "أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟" هكذا يقولُ اللهُ يومَ القيامة! يقولُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَطْوِي اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟"(رواه مسلم).
أتدري على أيِّ حالٍ يكونونَ يومَ القيامة؟
يقولُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةِ الخَبَالِ"(رواه الترمذي).
أناسٌ كالنَّملِ الصَّغيرِ المَهينِ، يغشاهمُ الذُّلُّ، يطَؤُهمُ النَّاسُ، جزاءً بما كانوا يعملونَ.
فأيُّ جُرمٍ فعلوهُ؟ إنّهُ الكِبرُ، المرضُ الإبليسيُّ البغيضُ.
أتعلمُ لماذا لعنَ اللهُ إبليسَ وطردَهُ منْ رحمتِهِ؟
أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ لآدمَ -عليهِ السَّلامُ-، وكانَ بينَ الملائكةِ إبليسُ، عابدًا للهِ تعالى، فما إنْ سمعَ أمرَ اللهِ بالسُّجودِ حتى امتنعَ، وما منعَهُ إلا الكِبْرُ، قال الله: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)[ص: 71-78].
كيفَ كانتِ البدايةُ، وكيفَ آلتْ بهِ إلى تلكَ النهايةِ؟
البدايةُ أنْ يتسلَّلَ العُجْبُ في النَّفسِ، فيرى الإنسانُ نفسَهُ بعَينِ الكَمالِ أكبرَ مِن غَيرِهِ، وخيرًا منهُ وأعظَمَ، ثمَّ ينظُرُ إلى غيرِهِ نظرةً دونيَّةً، يحتقرِهُمُ ويراهُمُ بعينِ النقصِ.
البدايةُ أنْ يرى الإنسانُ الخيرَ الذي فيهِ مِلكًا لهُ، وناشئًا عنْ نفسِهِ، ولا يدركَ أنَّهُ هبةٌ ربانيّةٌ، ومنحةٌ إلهيّةٌ، فيعمَى عنْ نسبةِ الفضلِ لأهلِهِ، ولا ينطقُ قلبُهُ بحمدِ اللهِ، بلْ بحمدِ نفسِهِ.
فأصلُ الكِبرِ داءٌ في القلبِ، يظهرُ أثرُهُ على الجوارحِ؛ كما قالَ -سبحانه-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)[غافر: 35].
يظهرُ أثرُهُ في نظرةٍ أو مِشيةٍ أو ثوبٍ أو لحنِ قولٍ، تراهُ يأبى الحقَّ ويردُّهُ أنَفةً وكِبرًا، يحتقرُ الناسَ ويسخرُ منهُمْ؛ لذلكَ عرّفَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الكِبرَ فقالَ: "الكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ"(رواه مسلم).
فردُّ الحقِّ واحتقارُ الناسِ علامةُ المتكبِّرينَ؛ إلا أنَّ الأمرَ لا يتوقَّفُ عندَ الكِبرِ على الناسِ، بلْ قدْ يؤولُ الكِبرُ بصاحبِهِ إلى الكِبرِ على ربِّ النَّاسِ -جلَّ جلالُهُ-؛ كيفَ ذلكَ؟
إنَّ اللهَ قصَّ علينَا سبيلَ الكافرينَ، ابتداءً منَ الشَّيطانِ اللعينِ، إلى منْ سارَ على دربِهِ منَ المجرمينَ، وفيهِمْ جميعًا ذاكَ الداءُ اللَّعينُ.
تراهُ أحيانًا في صورةِ الكِبرِ على رُسلِ اللهِ، استحقارًا لهُمْ وترفُّعًا عنِ اتّباعِهِمْ، يرونَ أنفسَهُمْ أعلمَ وأشرفَ وأغنى مِنْ هؤلاءِ الذينَ أرسَلهُمُ اللهُ إليهِمْ، فكيفَ يكونونَ لهُمْ تبعًا؟ فكفرُوا بهِمْ كِبرًا وعلوًّا.
هذا خليفةُ إبليسَ: فرعونُ المجرِمُ، أبى أنْ يؤمِنَ لموسى لأنَّهُ رأى نفسَهُ خيرًا منهُ، وتساءَلَ كيفَ أُومنُ لرجلٍ قومُهُ وأهلُهُ أذلَّاءُ مقهورونَ عندي؛ فقالَ متعجبًا: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ)[الزخرف: 52]، يقولُ -تعالى-: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)[المؤمنون:45-47].
وكذا كفرةُ أهلِ الكتابِ؛ حكى اللهُ عنهُمْ؛ فقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)[البقرة: 87].
حملَهُمُ الكِبرُ على تكذيبِ الرُّسلِ وقتلِهِمْ، لأنَّهُ كانتْ لهُمْ مناصبُ وأتباعٌ؛ فأنِفُوا أنْ يكونُوا تابعينَ، وآثَرُوا الدُّنيا على الآخرةِ، وهؤلاءِ كُفَّارُ قُريشٍ استكبرُوا على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فقالُوا كما قصَّ اللهُ: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)[ص: 8].
وكذلكَ حالُ المنافقينَ اليومَ؛ يردُّونَ قولَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وسُنَّتَهُ، زعمًا أنَّهَا أحكامُ بَدْوِ الصَّحراءِ، وقدْ عفا عليها الزَّمانُ؛ فيقولونَ: لا تناسبُنَا ولا تصلُحُ لمدنيَّتِنَا ورُقِيِّنَا وحضارتِنَا! وهُمْ واللهِ الأصاغرُ المتخلِّفُونَ، وهلْ ما جاءَ بهِ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلا منتهى التَّقدُّمِ والرُّقيِّ والحضارةِ والصَّلاحِ وخيرِ الدنيا والآخرةِ؟! وهلْ جاءَ إلا بإبطالِ رجعيَّاتِ الجاهليَّةِ الأولى؟!
وقدْ يكونُ الكِبرُ على الإيمانِ بآياتِ اللهِ، تأتيهِ آياتُ القرآنِ فيأنَفُ أنْ يؤمنَ بهَا ويستكبرُ عنهَا ثمَّ يكذِّبُ بهَا، قالَ -سبحانه-: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[الجاثية: 7-8].
لقدْ كبُرَتْ علومُهُمْ وعقولُهُمْ وفلسفاتُهُمْ وأفكارُهُمْ وتجارِبُهُمْ ونظريَّاتُهُمْ في نفوسِهِمْ، رأوهَا سديدةً لا تخطِئُ، فلَمَّا جاءَتْهُمْ رسلُهُمْ بآياتِ اللهِ وشرعِهِ الذي فيهِ طِيبُ دنيَاهُمْ وصلاحُ أُخرَاهُمْ، فرِحُوا بمَا عندَهُمْ منَ العلمِ، فاستنكَفُوا أنْ يؤمنُوا بآياتِ اللهِ، وأعرضُوا عنهَا كأنَّهُمْ لا يسمعونَ!
كلَّمَا سمعَ أحدُهُمْ آيةً فيهَا حكمُ اللهِ جادلَ بالباطلِ، وأتَى عليهَا بكلِّ شبهةٍ، ليُبطلَ العملَ بهَا وليُعليَ فِكرَهُ ورأيَهُ ومنهجَهُ، وحقيقةُ الأمرِ؛ كمَا قالَ -سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[غافر: 56].
إنَّهُ كِبرُ المجرمينَ عنْ أنْ يعبدُوا اللهَ؛ لأنَّ حقيقةَ العبوديةِ الخضوعُ التامُّ والإذعانُ المطلقُ للهِ -تعالَى- في كلِّ أمرِهِ، إنَّهُ الكبرُ عنْ قولِ (لا إلهَ إلَّا اللهُ) بالقلبِ والعمَلِ، وإنْ قالَهَا بعضُهُمْ بلسانِهِ؛ فإنَّ عملَهُ يكذِّبُهَا، قالَ -سبحانه-: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)[الصافات: 35].
إنَّ المؤمنَ الصادقَ مَن تراهُ خاضعًا خاشعًا ساجدًا للهِ، دونَ انتقاءٍ أو اعتراضٍ، حالُهُ كما قال الله: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)[السجدة: 15].
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم؛ فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.
الخطبة الثَّانية:
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:
إنَّ اللهَ هوَ العليُّ الكبيرُ المتكبِّرُ ذو الجبروتِ والملكوتِ والكِبرياءِ والعظَمةِ؛ (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الجاثية: 37].
قالَ النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ"(رواه مسلم وأبو داود).
هوَ وحدَهُ -سبحانه- الذي لهُ عظَمةُ الذَّاتِ والصِّفاتِ والأفعالِ، لهُ الكمالُ كلُّهُ، تعالى عنْ كلِّ عَيبٍ ونقصٍ، وكلُّ منْ سواهُ مربوبٌ فقيرٌ ضعيفٌ.
إنَّ منْ عرفَ اللهَ بكمالِهِ وعرفَ من نفسِه النَّقصَ لا يمكِنُهُ أنْ يرى نفسَهُ ولا أنْ يشمَخَ بأنفِهِ، بلْ يخضَعُ لربِّهِ ويخشعُ لمولاهُ ويُذعنُ لأمرِهِ.
مَنْ أنتَ أيُّها الإنسانُ؟
ما أنتَ إلا كذرّةِ غُبارٍ في هذا الكونِ الفسيحِ، يقولُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ"(رواه ابن حبان).
أيها الإنسانُ ألمْ تكنْ عدمًا فخلقكَ اللهُ؟
مَنْ الذي خلقكَ فسواكَ فعدَلكَ؟ مَنْ الذي علَّمكَ بعدَ جهلِكَ؟ وأغناكَ بعدَ فقرِكَ؟ وأعزَّكَ بعدَ ذُلِّكَ؟
أنّى لإنسانٍ منْ ترابٍ ونُطفةٍ وعَلَقةٍ، ضعيفٍ ظلومٍ جهولٍ، أنْ يستكبرَ بعِلمِهِ أو سلطانِهِ أو مُلكِهِ، وما ذلكَ إلا محضُ فضلِ اللهِ عليهِ!
وأينَ ملكُ الخلقِ وسلطانُهُمْ وعلومُهُمْ ومعارفُهُمْ وجنودُهُمْ، معَ مُلكِ اللهِ وسلطانِهِ وعلمِهِ وجنودِهِ؟
لقدْ نسيَ المستكبرونَ اللهَ؛ فأنساهمْ أنفسَهُمْ، فما أذلَّهُمْ في الدُّنيا والآخرةِ!
إنَّ كلَّ متكبِّرٍ على اللهِ وحُكمِهِ وشرعِهِ مآلُهُ الذُّلُّ والصَّغارُ وعذابُ الهوانِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ كما قالَ اللهُ: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)[الأنعام: 93]، وقالَ الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غافر: 60]؛ يعني: أذلّاءَ صاغرين.
لقدْ توعَّدَهُمُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-؛ فقالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"(رواه مسلم).
ألا؛ إنَّ الشَّرفَ كلَّ الشَّرفِ والعزَّ كلَّ العزِّ في عبادةِ ربِّ العالمينَ والخضوعِ لأمرِهِ والتَّسليمِ لحُكمِهِ بتعظيمٍ وحبٍّ وتذلُّلٍ، قالَ -سبحانه- واصفًا ملائكتَهُ الكرامَ: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)[الأعراف: 206].
اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلبِرِّ وَالتَّقوَى. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم