شامخات في زمن الانكسار

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2025-12-26 - 1447/07/06 2026-01-13 - 1447/07/24
عناصر الخطبة
1/انتشار قلة الحياء بين النساء ومظاهره 2/رغم شدة الفتن هناك نساء ثابتات 3/ثبات المؤمنات دوافع وموانع 4/ما تواجه به المؤمنة المغريات 5/من يقف خلف ثبات المؤمنة ويدعمها

اقتباس

فالمظهر المحتشم للمرأة يعكس الوجه الأخلاقي لشخصيتها، وغالباً يكون الحكم عليها من النظرة الأولى أنها شخصية راقية، وذات خلق رفيع، وإذا سئلت تلك الثلة الصالحة من نسائنا، عن المانع من مسايرة الواقع، ومحاكاة الأخريات أجابت: لا يمنعهن من ذلك...

الخُطْبَةُ الأُولَى:  

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الورى وخير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي العقول والأفهام، وسلم تسليما.

 

أما بعد: فاتقوا الله ربكم وراقبوه في سركم وجهركم إنه بما تعملون خبير.

 

لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات، وما يستوي من قدوته المصطفى وآخر قدوته مصطفى، وليس سواء من أسوته أبو القاسم وآخر أسوته قاسم، وهل سواء من اقتدت بزوجات نبي الهدى ومن جعلت قدوتها هدى؟! وما تستوي الصالحات القانتات الطاهرات المحتشمات، ولا العاريات النازعات لجلباب الستر والحياء؛ (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)[فاطر: 22].

 

من بين دركات العري وظلمات التفسخ ومستنقعات قلة الحياء، التي بدأت تلوث أجواءنا الطاهرة، وتكدر مجتمعاتنا الصافية؛ فأفسدت أخلاقنا، وقطعت أرحامنا، وأذهبت جمال لقاءاتنا ومناسباتنا، بأجساد عارية من اللباس كعري القلوب من التقوى، في وسط هذه الصور المحزنة تنبلج أنوار الفضيلة، وتزهر أوراق العفة والحشمة، وتتجلى صور الستر ومظاهر الحياء، يسطرها نساء مسلمات مؤمنات، قانتات تائبات عابدات سائحات، ومن هول القيامة خائفات.

 

بكل الفخر والتقدير نراها فنعجب من ثقة خطاها، وقوة يقينها في مسعاها، الأجواء من حولها ملبدة غائمة وعاصفة وهادرة، والدنيا من حولها تتلون وتتفنن وتتزين، ودعاة الفساد يتميز بهم الغيظ كلما رأوا جلبابها الأسود، الذي يخفي جبين العزة الأسعد، فيالها من واثقة وما أعظمها من كيان!.

 

حين عصفت ببعض النساء العواصف بقيت هذه الشامخة سيدة الموقف التي لا تعرف التضعضع أو التراجع، فمع ما تراه من عباءات فرنسية أو غربية، ومع ما تراه من تفسخ وانحلال وتميع وانسلاخ، إلا أنها بقيت ترى كل ذلك بعين واحدة لا تتغير، ولا تتلون لديها المعايير ولا القيم، فلقد ظل الانحراف بالنسبة لها انحرافا مهما لوَّنه الملونون، وحسنه المحسنون، وبقيت الفضيلة بالنسبة لها، وبقي الحسن عندها ما استحسنه الدين، فالحجاب بالنسبة لها شرف لا تساوم عليه، ولا تناور أو تداور حوله، والاختلاط شر ومقت وإن قالوا عنه تقدم ومدنية، والخروج من البيت بالنسبة لها -لغير حاجة- منقصة وتعرض للفتن.

 

إنها فئة من نساء بلدي الطاهر ونساء مسلمات في بلاد شتى، حافظت على تمسكها بمبادئها، فلم تكن لتهزها الإغراءات، ولا تغيرها الدعايات، ولا تفتنها الأموال والشهادات، فئة طيبة تنافس في كل ميدان من ميادين العلم والعمل، وتتبوأ أسمى المراتب وأعلى المناصب، وتظل تحرص أشد الحرص على أن يتسم لباسها بالحشمة والستر، فلله درها، ما أحسن صنيعها وما أحلى طريقها!.

 

إذا سئلت عن دوافعها للتغلب على نوازع النفس الأمارة ومواجهة التيار الجارف، أجابت: دافعها إسلامها، فدافعها للستر والاحتشام هو دافعها للصلاة والصيام؛ إنه الاستسلام لرب العالمين، والرضا بأحكامه والانقياد لشريعته، والتذلل لعبوديته والخضوع لأمره ونهيه، منطلقة من قول الحق: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)[الأحزاب: 36]، ودافعها هو حياؤها الذي هو زينة المرأة وسر تميزها، والحياء لا يأتي إلا بخير، ودافعها رغبتها أن تكون من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، فطوبى لهم ثم طوبى.

 

ودافعها ذوقها الرفيع وحرصها على التميز الحقيقي، فالموضة المعاصرة إنما هي استخفاف بالعقول، وانحطاط في التفكير، وسفالة في الاهتمامات، وسقوط في وحل التشبه بالكافرين، مع ما فيها من قبح وسخف، تحول -مع ضعف العقول وسيطرة الهوى- إلى جمال وذوق؛ وصدق الله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)[فاطر: 8].

 

ودافعها همتها بأن تكون قدوة حسنة يحتذى بها، وأن تدعو بفعلها وسلوكها إلى الهدى، فمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، وألا تكون أسوة في الشر تحتذى، فيكون عليها وزرها ووزر من تأثر بها إلى يوم القيامة؛ (أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)[الأنعام: 31].

 

ودافعها شخصيتها، فالمظهر المحتشم للمرأة يعكس الوجه الأخلاقي لشخصيتها، وغالباً يكون الحكم عليها من النظرة الأولى أنها شخصية راقية، وذات خلق رفيع، وإذا سئلت تلك الثلة الصالحة من نسائنا، عن المانع من مسايرة الواقع، ومحاكاة الأخريات أجابت: لا يمنعهن من ذلك مال ولا ضعف حال، لكن مانعها هو خوفها أن يشملها قول قدوتها -صلى الله عليه وسلم-: "ونساء كاسيات عاريات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها"؛ فكان هذا أعظم الروادع وأقوى الموانع، حال كل مسلم يخاف من ربه يوما عبوسا قمطريرا، ويستشعر معنى أن يكون هذه الجسد الغض البهي حطبا لنار وقودها الناس والحجارة.

 

ومانع تلك الصالحات المتميزات من التعري والتبذل هو بعدها من مشابهة الكافرات الساقطات، وقد علمن قول رسولهن -صلى الله عليه وسلم-: "من تشبه بقوم فهو منهم".

 

وإذا سئلت تلك الصالحات المتميزات عن قدوتهن بالاحتشام، وأسوتهن بالستر والحياء، أجبن بكل فخر واعتزاز: يكفي أن تكون أمهات المؤمنين، وسيدة نساء العالمين، وبنات سيد المرسلين، وزوجات وبنات أصحابه الأكرمين، ونساء السلف الصالح، والخلف الطاهر في كل زمن؛ هن الأسوة والقدوة، وكفى بذلك فخرا وشرفا؛ (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[الأنعام: 90].

 

إذا سئلت تلك الفئة المتميزة من نسائنا: ألسن يتعرضن للإغراء؟ ألسن يواجهن ضغوط الواقع ونظرة المجتمع؟ ألسن يجدن صعوبة في مخالفة المجتمع من حولهن؟ فيكون الجواب بلغة الإيمان والثقة: نعم، نحن كغيرنا نواجه التحديات، ونتلقى اللمز والنظرات، ونواجه فتنة المغريات، لكننا نواجه ذلك بالإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن شريعة الله وأحكامه هي فوق كل اعتبار، وأن الله لم يحرم علينا شيئا إلا لعلمه -سبحانه- بضرره علينا.

 

نحن نواجه اللمز والسخرية ولكن نتلقاه بـ (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)[هود: 38]، نتلقاه بشعور المسلم الصابر الذي يحفظ قول خالقه: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران: 186].

 

نواجه تلك المغريات بالإيمان بأن الجنة محفوفة بالمكاره، وأن سلعة الله غالية، وأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، فلله در تلك النفوس الأبية والقلوب النقية!.

 

أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: إذا سئلت تلك النساء المحتشمات عن شعورهن، وقد أطعن الله ورسوله، والتزمن بأمره بالستر والاحتشام كان الجواب: يكفي أنه تعزيز لخلق الحياء، وفيه بعد للمرأة عن مواطن الفتنة والريبة، ووسيلة للنجاة من حلول العقوبات ونزول النقمات؛ (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النور: 63]، وفيه غرس للفضائل وتثبيت للقيم، وتميز الشخصية المسلمة واستقلالها، وعدم ذوبانها في المجتمعات المنحرفة والضالة.

 

في الاحتشام تلاحقنا نظرات الإعجاب والاحترام؛ لأننا التمسنا رضا الله فأرضى عنا الناس، وفي الاحتشام نصبح بمنأى من النظرة المريبة، ولا نتحمل إثم كل من تقع عينه علينا، إذ ليس هناك تفسخ يدعو لذلك، في الستر والاحتشام نجد احترام الذات والشعور باحترام الآخرين.

 

ويكفي في الستر والاحتشام أنه اتباع لرضا الله وهديه؛ (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[طه: 123]، ويكفي أن المرأة المحتشمة تعود إلى بيتها مرتاحة البال مطمئنة النفس، قد أشبعت حاجتها، وأرضت ربها، ووصلت رحمها، دون أن تشعر بعقدة الذنب ولا بتأنيب الضمير، وبهذا الفضل من الله يفرح المؤمنون؛ (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 58].

 

ويبقى السؤال: من يا ترى يقف خلف تلك الشامخات حينما اخترن طريق الحشمة والحياء؟ فكان الجواب: يقف خلفه غريزة فطرية، وتربية إيمانية، وفطرة لم تلوثها دعايات التغريب، يقف من وراءه دعاة مصلحون، وداعيات مخلصات، علموهن أن الجمال هو جمال الروح، وأن الحسن هو حسن التعامل، وأن الجاذبية بالتزام شرع الله والثبات عليه.

 

يقف خلفه أولياء استشعروا الأمانة، وأدركوا عظم المسؤولية أمام الله وتذكروا؛ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)[التحريم: 6]، فتعاهدوا البذرة بالرعاية والتوجيه السديد، والنصح الرشيد، في حكمة ولين، وأسلوب رزين، ومتابعة مع ثقة وحزم، وتجرد من العاطفة؛ فأثمر قلوبا أشربت حب الفضيلة، وأجسادا ألفت الستر والحشمة، واشمأزت من أن تظهر العورات، أو تخرج السوءات.

 

ثم كانت الرسالة الأخيرة من الشامخات إلى الشاردات تقول: إنما هي إرادتان، فالله يريد ليبين لكم ويهديكم ويتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، فمن أحق أن يطاع؟ أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه.

 

إنَّنا نرفع الصَّوت جهرةً منذرِين، ونبسط الكلامَ مُحذِّرِين: يا نساءَ المؤمنين، إنَّكنَّ الآن في مفترق طرق خطير، والاختيار ليس بصعبٍ، لكن النتائج ستكون صعبةً ومُرَّةً لمن لم تحسنِ الاختيار، فهيَّا إلى ما أدَّب الله به نساءَ نبيه فاستمسكنَ به، فإنَّه لَكُنَّ مِن بعدهنَّ؛ (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)[الأحزاب: 32 - 33].

 

المرفقات

شامخات في زمن الانكسار.doc

شامخات في زمن الانكسار.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات