العين تزني
عبدالرحمن عبدالعزيز القنوت
إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمَدُه ونستعينُه ونستهدِيه، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، عبادَ اللهِ:
لما أخبرَ النبيُّ ﷺ عن آخرِ الزمانِ، ذكرَ له علاماتٍ تُنذِرُ العاقلَ وتوقِظُه، ومن تلك الأخبارِ قولُه ﷺ:
«يتقارَبُ الزمانُ، وينقُصُ العلمُ، ويُلقَى الشُّحُّ، وتظهَرُ الفتنُ» متفق عليه
والمسلمُ حين يعرِفُ هذه العلاماتِ، ويُشاهِدُها في واقعِه، لا ليجزَعَ، بل ليُحسِنَ التعاملَ معها، ويعرِفَ طريقَ النجاةِ والخلاصِ.
ومن أبوابِ الفتنةِ في زمنِنا المعاصِرِ، زمنِ الانفتاحِ الرقميِّ، وتدفُّقِ الصورِ بلا رقيبٍ ولا حسيبٍ: إطلاقُ البصرِ، والاستخفافُ بأمرِ النظرِ؛ لا سيما وقد انتقلتِ الفتنةُ من الشوارعِ والأسواقِ إلى الشاشاتِ والهواتفِ، ومن النظرةِ العابرةِ إلى التعرُّضِ الدائمِ؛ فحُمِلَتِ الهواتفُ، وسهُلَ الوصولُ، فصارت ملازِمةً لا تُفارِقُ، تُعرَضُ صورًا ومشاهدَ تُغذِّي الشهوةَ، وتُميتُ الحياءَ، وتُهوِّنُ الحرامَ، حتى صار النظرُ المحرَّمُ يُستباحُ باسمِ التسليةِ، وتُكَرَّرُ المشاهدُ باسمِ المتابعةِ؛ فيخلو الإنسانُ بشاشتِه، بعيدًا عن أعينِ الناسِ، حاضرَ الشهوةِ، غائبَ الخوفِ من الرقيبِ سبحانه، حتى صار البعضُ لا يعدُّه ذنبًا، ولا يحسِبُ له حِسابًا، مع أنَّه بابٌ من أبوابِ معصيةِ اللهِ تعالى.
يقولُ النبيُّ ﷺ:
«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ على ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذلكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّهُ ويُكَذِّبُهُ» متفق عليه
فزِنا العَيْنِ هو النَّظَرُ إلى ما حرَّمَ اللهُ، حينَ يُطلِقُ الإنسانُ بصرَه كيفما شاء؛ نَظْرَةً بعدَ نَظْرَةٍ، وتصفُّحًا بلا ضابطٍ، حتى يَأْلَفَ النَّظْرَةَ المُحَرَّمَةَ، فيقضي الساعاتِ يُقَلِّبُ ويُشاهِدُ، لا يشعرُ بنفسِه، ولا يحسُّ بمرورِ وقتِه؛ حتى صارَ أسيرًا لنظرِه، مُدمِنًا على المُشاهَدة، نسألُ اللهَ العافيةَ.
عبادَ اللهِ:
ونعوذُ باللهِ مِن حالِ مَن استهانَ بنظرِ اللهِ إليه، وغفلَ عن مراقبةِ اللهِ له، ونسيَ مشاهدتَه واطِّلاعَه عليه؛ فنسِيَ أنَّ له ربًّا يراه، ويعلَمُ سرَّه ونجواه.
وما أعظمَ قولَ اللهِ جلَّ وعلا حين أخبرَ أنَّه يعلمُ ما تختلِسُه العيونُ وما تُخفيه من نظراتٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
عباد الله:
ومما ابتُلِيَ به بعضُ الناسِ، أنَّه يستتِرُ عن الطفلِ الذي لا يُميِّزُ، ويخشَى نظرَه، ولا يستحي من نظرِ اللهِ تعالى إليه، فكانَ اللهُ أهونَ النّاظرينَ إليه.
وذلك حالُ من ضعفَ إيمانُه، ولم يعرِفِ اللهَ حقَّ المعرفةِ؛ إذ لو استحيا من نظرِ اللهِ لامتنعَ وانتهى.
ومن كان هذا حالُه، فإنَّه شبيهٌ بحالِ الخائنين؛ الذين يستخفونَ من الناسِ، ولا يستخفونَ من اللهِ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
وقدْ أمرَنا ﷺ أن نستحيَ من اللهِ سبحانه حقَّ الحياءِ، حياءً يَحمِلُ على تركِ المحرَّماتِ، والصبرِ على الطاعاتِ، كما قال ﷺ:
«استحيوا من اللهِ تعالى حقَّ الحياءِ، من استحيا من اللهِ حقَّ الحياءِ فلْيحفظِ الرأسَ وما وعى، ولْيحفظِ البطنَ وما حوى، ولْيذكرِ الموتَ والبِلى». رواه الترمذي
عبادَ اللهِ:
ومن أعظمِ مخاطرِ النظرِ المحرَّمِ، أنَّه يُحرِّكُ الشهوةَ، ويفتحُ بابًا إلى الفاحشةِ.
ولذلك جاءَ القرآنُ بسدِّ هذا البابِ من أوَّلِه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، فقدَّم غضَّ البصرِ؛ لأنَّه بريدُ الزنا، ومفتاحُ أبوابِه.
ثم تأمَّلوا – رعاكم اللهُ – كيف قصَّ علينا القرآنُ خبرَ النسوةِ في المدينةِ؛ فقد سمعنَ عن يوسفَ عليه السلام من قبلُ، ولكن كانَ الخبرُ شيئًا، والرؤيةُ شيئًا آخرَ.
فلما انتقلَ الأمرُ إلى النظرِ، تغيَّرَ كلُّ شيءٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾، أي عظَّمْنَه في قلوبِهنَّ، ووقعَ الإعجابُ.
فلم يقفِ الأمرُ عند ذلك، بل تجاوزهُ إلى الجوارحِ، فقال سبحانه: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، انشغلَ القلبُ بما رآه، فغفلَ الجسدُ عمَّا يفعلُ، فوقعَ القطعُ وهنَّ لا يشعرنَ.
ثم انطلقَ اللسانُ بما يفيضُ به القلبُ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
فتأمَّلوا كيف بدأتِ القصةُ بنظرةٍ، ثم صارت إعجابًا، ثم تحوَّلت إلى دهشةٍ وانبهارٍ، ثم انتهت إلى فعلٍ غيرِ إراديٍّ.
وهكذا يفعلُ النظرُ إذا أُطلِقَ؛ لا يقفُ عند حدٍّ، ولا ينتهي عند مجرَّدِ لمحةِ بصرٍ.
أيُّها المؤمنونَ:
وأمّا الأسواقُ، والطُّرُقاتُ، والمقاهي، ومجامِعُ الناسِ، فهي ميادينُ اختبارٍ حقيقيٍّ للإيمانِ، إمّا أن يمرَّ المؤمنُ فيها وهو حافظٌ لبصرِه، أو يُطلِقَ لعينيه العِنانَ، فيقعَ في الإثمِ وهو لا يشعرُ.
وقد نبَّهَ النبيُّ ﷺ إلى خطورةِ هذا الموطنِ، فقال:
«إيّاكم والجلوسَ في الطُّرُقاتِ».
قالوا: ما لنا بدٌّ يا رسولَ اللهِ، إنّما هي مجالسُنا نتحدَّثُ فيها.
قال: «فإذا أبيتم إلّا ذلك، فأعطوا الطريقَ حقَّها».
قالوا: وما حقُّ الطريقِ؟
قال: «غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ». متفق عليه
فأوَّلُ حقٍّ ذكرَه النبيُّ ﷺ غضُّ البصرِ؛ لأنَّ أخطرَ ما في الطريقِ ما تراه العينُ قبلَ أن يُؤذي الجسدَ.
ومن أغلَقَ البابَ من أوَّلِه، سلِمَ آخِرُه.
كلُّ الحوادثِ مبدَؤُها من النظرِ ** ومُعظَمُ النارِ من مستصغَرِ الشررِ
كم نظرةٍ فتكت في قلبِ صاحبِها** فتكَ السِّهامِ بلا قوسٍ ولا وَتَرِ؟
أيُّها الكرامُ: وإنَّ من الفتنةِ والبلاءِ في هذه الأيّامِ ما هو أعظمُ من مجرَّدِ نظرةٍ إلى امرأةٍ لا تحلُّ لك، إلى وجهِها أو بعضِ زينتِها؛
بل تجاوزَ الأمرُ ذلك إلى صورٍ بالغةِ الحرمةِ، ومشاهدَ منكرةٍ، تعرٍّ وسفورٍ، ومفاتنَ مكشوفةٍ، وَهَتْكٍ للسِترِ، تُعرَضُ بلا حياءٍ، وتُتداوَلُ بلا استنكارٍ، وتنبثِقُ في وجهِك دونَ استئذانٍ.
وتشتدُّ المصيبةُ حين ينشأُ الجيلُ، ويتربَّى الصغيرُ على إلفِ هذه المشاهدِ؛ يراها منذ نعومةِ أظفارِه، ويألفُها حتى لا يكادُ قلبُه يُنكرُها، ولا يستقبِحُها فيمَن حولَه.
فلا تسألْ بعد ذلك عن موتِ الحياءِ، وفسادِ الفِطرةِ، وإلفِ الحرامِ، واللهُ المستعانُ.
وإذا بلغ الحالُ هذا المبلَغَ، فننتظرُ تلك الأيّامَ التي أخبرَنا عنها رسولُ اللهِ ﷺ في آخرِ الزمانِ؛ حين يفشو الزنا، ويكثُرُ الفسادُ، ولا يُستنكَرُ.
قال ﷺ: «لا تقومُ الساعةُ حتى تُؤخَذَ المرأةُ نهارًا جهارًا، تُنكَحُ وسطَ الطريقِ، لا يُنكِرُ ذلك أحدٌ، ولا يُغيِّرُه، فيكونُ أمثلُهم يومئذٍ الذي يقولُ: لو نحَّيتَها عن الطريقِ قليلًا». رواه الحاكم
فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ،
واعلموا أنَّ مجاهدةَ النفسِ في حفظِ البصرِ عمّا حرَّمَ اللهُ دليلُ تقوى، وعلامةُ إيمانٍ، يُورِثُ اللهُ بها العبدَ نورًا في قلبِه، ولذَّةً في عبادتِه.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ:
«النظرةُ سهمٌ من سهامِ إبليسَ مسمومةٌ، فمن تركَها من خوفِ اللهِ، أثابَه اللهُ إيمانًا يجدُ حلاوتَه في قلبِه». رواه الحاكم
أيُّها الآباءُ..
إنَّ من أعظمِ الأماناتِ في أعناقِكم اليومَ: ضبطَ أجهزةِ أبنائِكم وبناتِكم، فلا تُترَكْ دونَ ضبطٍ ولا رقابةٍ، فإنَّ الفتنَ اليومَ تدخلُ البيوتَ بلا استئذانٍ، تحملُ معها صورًا تُفسِدُ القلوبَ، ومشاهدَ تُميتُ الحياءَ، وأفكارًا تُبدِّلُ القيمَ.
علِّموهم أنَّ اللهَ يراهم في خلواتهم، وأنَّ ما يخفى عن أعين الناس لا يخفى عن ربِّ الناس، فإنَّنا عنهم مسؤولونَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفِروه؛ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه وصحبِه ومَن اهتدى بهداه.
أمّا بعدُ، عبادَ اللهِ:
اعلموا أنَّ دينَنا فرَّقَ بين النظرةِ العابرةِ دونَ قصدٍ، وبين تعمُّدِ النظرِ، فنظرةُ الفجاءةِ معفوٌّ عنها، ويجبُ عليه أن يصرِفَ بصرَه، ولا يُديمَ النظرَ، ولا يُعاوِدَه مرَّةً أُخرى، قال ﷺ:
«يا عليُّ، لا تتبعِ النظرةَ النظرةَ؛ فإنَّ لك الأُولى، وليست لك الآخرةُ» رواه أبو داود والترمذي.
أمّا تكرارُ النظرِ، واستدامتُه، والتلذُّذُ به، فهو زِنا العينِ الذي حذَّرَ منه ﷺ، ويؤاخَذُ به العبدُ.
ولنعلَمْ جميعًا، أنَّ هذه العينَ ستشهدُ علينا يومَ القيامةِ، تشهدُ بكلِّ ما رأتْ وأبصرتْ، قال اللهُ تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وجاء عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه قال: كنّا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ فَضَحكَ، فقال: «هل تدرونَ ممَّ أَضحكُ؟»،
قلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ.
قال: «من مُخاطبةِ العبدِ ربَّه، يقولُ: يا ربِّ، ألم تُجِرْني من الظلمِ؟
فيقولُ: بلى.
فيقولُ: فإنِّي لا أُجيزُ على نفسي إلّا شاهدًا منِّي.
فيقولُ: كفى بنفسِك اليومَ عليك شهيدًا، وبالكرامِ الكاتبينَ شهودًا.
فيُختمُ على فِيه، وتُنطَقُ جَوارحُه بأعمالِه، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلامِ،
فيقولُ له: بُعدًا لكنَّ وسُحقًا، فَعنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ». رواه مسلم.
فطوبى لمن غلَبَ هواه، وجاهدَ عينَه، وحفِظَ بصرَه، وراقبَ اللهَ في سرِّه وعلانيته.
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
اللهمَّ إنّا نسألُك خشيتَك في الغيبِ والشهادةِ.
اللهمَّ طهِّر قلوبَنا من النفاقِ، وأعمالَنا من الرّياءِ، وألسنتَنا من الكذبِ، وأعينَنا من الخيانةِ؛ فإنَّك تعلَمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدورُ.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
المرفقات
1768405010_العَيْنُ تَزْنِي - للجوال.pdf