الْقُلُوبُ الْمُتْعَبَةُ
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الرَّحْمَاتِ، وَجَعَلَ لَهُمْ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُقَصِّرِينَ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَغَفْلَةِ النُّفُوسِ وسَطْوَةِ الشَّيَاطِينِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْقُلُوبُ الْمُتْعَبَةُ، يَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، يَا مَنْ أَطَالَتْهُ الْغَفْلَةُ، هَا قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ إِلَّا مَنْ أَرَادَ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، إِنَّهُ شَهْرُ شَعْبَانَ.
شَعْبَانُ شَهْرُ الرِّقَّةِ، شَهْرُ الْخَلَوَاتِ، شَهْرُ الدُّمُوعِ الَّتِي تَنْزِلُ فِي السَّحَرِ، شَهْرُ الْقُلُوبِ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ بَعْدَ طُولِ سُبَاتٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ».
وَاللَّهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ، مَا ضَاعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا لِأَنَّهُمْ غَفَلُوا، وَمَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلَّا لِأَنَّهَا أَعْرَضَتْ.
شَعْبَانُ مِرْآةٌ لِلْقُلُوبِ، مَنْ صَلُحَ فِيهِ صَلُحَ لِرَمَضَانَ، وَمَنْ أَعْرَضَ فِيهِ فَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ فِي شَهْرِ الْقُرْآنِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، لَا تَشْدِيدًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لِتَرْبِيَةِ قَلْبِهِ، فَالصِّيَامُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ، وَيُرَقِّقُ الْفُؤَادَ، وَيُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ.
فَيَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، هَذَا وَقْتُ الْعَوْدَةِ، وَيَا مَنْ طَالَ بُعْدُهُ، هَذَا وَقْتُ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْلِقُ بَابَهُ دُونَ عَبْدٍ طَرَقَهُ بِصِدْقٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ فِي شَعْبَانَ لَيْلَةً يَطَّلِعُ اللَّهُ فِيهَا إِلَى خَلْقِهِ، فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ، إِلَّا لِمَنْ أَشْرَكَ أَوْ شَاحَنَ، فَكَمْ مِنْ قَلْبٍ حُرِمَ الْمَغْفِرَةَ لِحِقْدٍ أَوْ ضَغِينَةٍ!
وَاللَّهِ، مَا ثَقُلَتِ الصَّدُورُ إِلَّا بِالْبُغْضَاءِ، وَلَا طَابَتِ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، فَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُطَهِّرُوا جَوَارِحَكُمْ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ، شَعْبَانُ لَيْسَ شَهْرَ ضَجِيجٍ، بَلْ شَهْرُ خَلَوَاتٍ، لَيْسَ شَهْرَ مَظَاهِرَ، بَلْ شَهْرَ دُمُوعٍ صَادِقَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَبْكِ فِيهِ عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَفْرَحُ فِي رَمَضَانَ؟
اسْتَعِدُّوا لِرَمَضَانَ بِقُلُوبٍ نَقِيَّةٍ، وَنُفُوسٍ مُقْبِلَةٍ، وَصُحُفٍ نُرِيدُ أَنْ تُرْفَعَ إِلَى اللَّهِ وَهِيَ مُضِيئَةٌ بِالطَّاعَاتِ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُ مَا ذُكِرَ إِلَّا فَاضَتِ الرَّحْمَاتُ.
اَللَّهُمَّ أَحْيِ قُلُوبَنَا بَعْدَ مَوْتِهَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي أَحْسَنِ حَالٍ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ.
المرفقات
1768368251_شعبان.docx