تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه
مبارك العشوان 1
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء 1]
وَيَقُولُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم21]
عِبَادَ اللهِ: الزَّوَاجُ مِنْ أعْظَمِ النِّعَمِ، فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، فِيهِ السَّكَنُ وَالْأُنْسُ، فِيهِ المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، فِيهِ غَضُّ البَصَرِ وَإِحْصَانُ الفَرْجِ، وَبِهِ حُصُولُ الوَلَدِ، وَتَكْثِيرُ النَّسْلِ، وَحِفْظُ النَّسَبِ، وَبِهِ تَتَحَقَّقُ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ؛ دُنْيَوِيَّةٌ وَأُخْرَوِيَّةٌ لِلْفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ.
فِي الزَّوَاجِ مُوَافَقَةُ الفِطْرَةِ، وَفِيهِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ.
فَهُوَ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً...} الرعد 38
يَقُولُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: [هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ وَالْحَضِّ عَلَيْهِ، وَتَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ، وَهُوَ تَرْكُ النِّكَاحِ، وَهَذِهِ سُنَّةُ الْمُرْسَلِينَ...]الخ
وَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسِلَّمَ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ: (أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) وَيَقُولُ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ]
وَبِهَذَا نَعْلَمُ الخَطَأَ العَظِيمَ فِي عُزُوفِ بَعْضِ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ عَنِ الزَّوَاجِ؛ حَتَّى أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ أَوْ أَكْثَرَ؛ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا تَأَثُّرًا بِالدَّعَوَاتِ المُضِلَّةِ لِلْعُزُوفِ عَنِ الزَّوَاجِ أَوْ تَأْخِيرِهِ، وَتَشْوِيهِ صُوْرَةِ الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ، وَنَشْرِ مَا يُنَفِّرُ عَنْهُ.
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا تَخَوُّفًا مِنَ الارْتِبَاطِ، أَوْ مِنْ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ، أَوْ مِنَ التَّكَالِيفِ وَمَصَارِيفِ المَرْأَةِ وَالأوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْفِطْرَةِ، وَلِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَهُوَ اسْتِجَابَةٌ لِلشَّيْطَانِ؛ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة268]
رِزْقُ الزَّوْجِ، وَرِزْقُ زَوْجِهِ، وَرِزْقُ أَوْلَادِهِ، وَرِزْقُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَأَرْزَاقُ الخَلَائِقِ كُلِّهِمْ؛ عَلَى الرَّزَّاقِ جَلَّ وَعَلَا؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[النور32 ]
نَقَلَ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: [أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى]
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ قال: [الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ]
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ) [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني]
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَغَفَرَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ - مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ - وَيَسِّرُوا أُمُورَ الزَّوَاجِ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى تَيْسِيرِهَا.
مَنْ لَهُ أوْلَادٌ؛ فَهُو مُحْتَاجٌ لِتَزْوِيجِهِمْ، وَمَنْ لَهُ بَنَاتٌ؛ فَهُوَ يَتَمَنَّى لَهُنَّ الزَّوَاجَ، فَالمَصْلَحَةُ مُشْتَرَكَةٌ، وَعَلَيْنَا جَمِيعًا أنْ نَسْعَى وَنُبَادِرَ لِتَحْقِيقِهَا.
يَسِّرُوا المُهُورَ، اتِّبَاعًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ.
يَقُولُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (أَلَا لَا تَغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ...) الخ أخرجه النسائي وصححه الألباني.
وَمَا أَحْسَنَ أَنْ تَكُونَ المُبَادَرَةُ بِالتَّيْسِيرِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَأَهْلِهَا. مَا أَحْسَنَ أَنْ يَدْفَعُوا عَنِ الزَّوْجِ الإِحْرَاجَ؛ وَيُبَادِرُوهُ بِأَنْ يَقْتَصِدَ، وَأَلَّا يَشُقَّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي التَّيْسِيرُ فِي التَّكَالِيفِ الأُخْرَى مِنَ الوَلَائِمِ عِنْدَ أَهْلِ الزَّوْجِ أَوْ عِنْدَ أَهْلِ الزَّوْجَةِ.
وَلِيمَةُ العُرْسِ مَشْرُوعَةٌ، وَالإِسْرَافُ مَمْنُوعٌ مَذْمُومُ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي التَّيْسِيرُ فِي الشُّرُوطِ؛ فَإِذَا خَطَبَ مَنْ يُرْضَى دِينُهُ وَخُلُقُهُ؛ فَإِنَّهُ يُزَوَّجُ.
وَالمُبَالَغَةُ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّعَنُّتُ فِيهَا؛ مِنْ عَوَائِقِ الزَّوَاجِ.
وَلَكَمْ كَانَ سَبَبًا فِي إِلْغَاءِ بَعْضِ الزَّوَاجَاتِ، وَسَبَبًا فِي صَرْفِ الخُطَّابِ عَنْ بَعْضِ الأُسَرِ، وَحِرْمَانِ شَبَابِهِمْ وَفَتَيَاتِهِمْ مِنَ الزَّوَاجِ.
أَلَا فَلْنَتَعَاوَنْ - عِبَادَ اللهِ - عَلَى تَيْسِيرِ أُمُورِ الزَّوَاجِ، وَتَحْصِيلِ هَذَا الخَيْرِ العَظِيمِ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.
ثُمَّ لِتَعْلَمُوا - وَفَّقَكُمُ اللهُ - أَنَّ مُسَاعَدَةَ المُحْتَاجِ فِي زَوَاجِهِ وَمَدَّ يَدِ العَونِ لَهُ، مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ.
بَلْ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ مَؤُونَةِ الزَّوَاجِ جَازَ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ؛ وَقَدْ جَاءَ فِي فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ مَا نَصُّهُ: [يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَا يَجِدُ نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ العُرْفِيَّةِ الَّتِي لَا إِسْرَافَ بِهَا] اهـ
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}الأحزاب 56
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ أصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاكَ، واجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَدِينَنَا وَبِلَادَنَا بِسُوءٍ فَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَيهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
عِبَادَ اللهِ: اُذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتجدون هذه الخطبة وغيرها على قناة التليجرام (احرص على ما ينفعك)
https://t.me/benefits11111/3061
المرفقات
1769024806_تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه.pdf
1769024833_تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه.doc