تيسيرُ الزواج والحثّ عليه 4 / 8 / 1447
أحمد بن ناصر الطيار
الحمد لله عالمِ السرِّ والمكنون ، المطلع على عبده أينما يكون ، المحصي للحركات والسكون ، يعلم ما كان وما يكون, {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على نهجه إلى يوم يُبْعَثُون .
أما بعد, فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنَّ النكاحَ آيةٌ من آيات الله, قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وهو سنةٌ من سننِ أنبيائه عليهم الصلاة والسلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}.
وهو من الأمور الْمُحبَّبَة إلى نبيِّنَا ورسولِنا صلى الله عليه وسلم, فقد ثبت عنه أنه قال: " حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ".[1]
فأمرٌ مُحبَّبٌ إلى أفضل البشرية, لا شكَّ أنّ الخيرَ كلَّه فيه.
والزواج طريقٌ للعفاف وصيانةِ الأعراض، وسببٌ لاستقرار المجتمع، وفيه حفظٌ للدين وتحقيقٌ لمقاصد الشريعة في حفظ النسل والأخلاق.
معاشر المسلمين: ومع ما في النكاح من فوائدَ عظيمة, وغاياتٍ حميدة, إلا أنه في هذه الأزمنة المتأخرة, أحاطتْ به عوائقُ كثيرة, جعلته صعبًا مُتعسّرًا على كثيرٍ من الشباب, وأذكر منها: غلاءُ المهور, والواجب على العقلاء ألا يُغالوا فيه, وأنْ يشتروا الكُفْء, لا أنْ يشتروا ماله وثروته, فالمال يذهب ويفنى, ويبقى الخُلُقُ والوفاء والدين.
ومن العقبات أيضًا: المبالغةُ في الولائم والأعراس, حتى أحْجم كثير من الشباب عن الزواج بسبب هذه الكلفة والمشقة والغلاء، ومن توفيق لكثير من أولياء الزوجة: أنهم يطلبون من الزوجِ أن يكون الزواج مختصرًا لا كلفة فيه، والغالبُ أنّ مثل هذا الزواج يُكتب له التوفيق والنجاح.
ومن العقبات أيضًا: تأخيرُ الزواج لدى كثيرٍ من الذكور والإناث, بحجة إكمال الدراسة، أو الحصولِ على الوظيفة، أو القدرة المالية، أو عدم الرغبة في الارتباط المبكّر، أو غير ذلك من الأسباب الخاطئة, التي تجرَّع أصحابُها الندمَ بعد كِبر سنهم, وفواتِ فرصة النكاح لديهم. .
إنَّ من المحزن حقًّا, أن يصلَ بعضُ الشباب والشابات إلى سن الثلاثين والأربعين، وهم لم يفكروا بعدُ في الزواج, أو لم يسعوا هم ولا أولياؤُهم في الزواج.
إن تأخيرَ الزواج مخالفٌ للشرع وللفِطرة، وقد قرّر المتخصّصون في علم النفس والاجتماع, أنّ الزواج المبكّر سببٌ لاستقرار الصحة النفسية والجسدية، هذا بالإضافة إلى اكتمال الدين والعَفاف, وحصولِ الإحصان في بداية الحياة.
ومن أخطاء بعض الآباء والأمهات: أنهم لا يُطالِبُون أبناءهم بالنكاح, ولا يسعون في إقناعهم وتحفيزِهم.
وكذلك الحال مع البنات, فإذا لم يَطْرُقْ أحدٌ بابه فليس له خيارٌ آخر, والواجب عليهم أنْ يسعوا بكلِّ الطرق لزواج بناتهم, وذلك بعرضهنّ على الرجال الصالحين, وذكرِهنّ عند أهل الأمانة والثقة.
فهذا الفاروقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يقول: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فأجابه عُثْمَانُ بأنه لا يرغب في النكاح, فهل توقف ويئس, لا , بل عرضها على أبي بكرٍ رضي الله عنه أيضًا.
ومن العقبات أيضًا: عضلُ النساء, وهو منع المرأة من النكاح لأسبابٍ غير وجيهة, منها الرغبة في رجلٍ يُعطيها مهرًا أكثر, أو الرغبةُ في راتبها ومَصْروفها, أو غيرِ ذلك من الأسباب, والواجب على مَن علم أنَّ أحدًا يمنع بناته من الزواج, ألا يسكت على هذا المنكر الخطير, ولْيرفع أمره إلى الجهة المختصة لرفع الولاية عنه.
نسأل الله تعالى, أنْ يحفظ أعراض أبنائنا وبناتنا, وأنْ يُوفقهم في دينهم ودُنياهم, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.
****************
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .
عباد الله: هناك دعوات منحرفة تروّج للعزوف عن الزواج، وتستغل وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورته, وبثّ محتوى مضلِّل يُنفِّر منه، وتُظهر الزواج أنه سجن وهمّ، والواقع أنه من أعظم أسباب السعادة والطمأنينة والاستقرارِ النفسيّ، إذا وفّق الله الزوجين للتحلّي بمكارم الأخلاق.
وهذه الدعوات تهدف إلى إفساد الفطرة السليمة، وهدم القيم الأسرية، ومصادمة أحكام الشريعة ومقاصدها.
فيجب الحذر منها ومحاربتها، وبيانُ غلطِها وفسادِها وضلالِ مروّجيها.
إخوة الإيمان: إنّ من أعظم الأعمال وأفضلها عند الله تعالى: إعانةَ الراغبين في الزواج، مساعدَتهم بصفةٍ كريمة تحفظ كرامتهم، وصرفَ الصدقات والزكاة لهم إذا كانوا من أهلها، فإعفاف الشباب من أعظم القربات، وأثرُه لا يقتصر على الفرد فحسب، بل يتعداه إلى المجتمع بأسره.
نسأل الله تعالى أنْ يُيَسِّرَ أُمور الزواج, وأنْ يُعفَّ أبناءنا وبناتنا, إنه على كلّ شيءٍ قدير.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى, وإمام الورى, فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات, اللهم فرِّج همومهم, واقض ديونهم, وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
[1] - رواه الإمام أحمد (12293 ), وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5435).