حسن الظن بالله تعالى

أحمد بن علي الغامدي
1447/07/26 - 2026/01/15 08:38AM

فاتّقوا الله عباد الله- فإنَّ من اتَّقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.

عباد الله  : إن عباداتِ القلوب في المقام الأعظم عند الله؛ فبها يصلح العمل، وبها يكمل الإيمان، وبها تحصل الدرجاتُ العلى عند الله تعالى.

 وإنّ من عبودياتِ القلبِ العظيمة، وواجبات الإيمان الجليلة: "حُسْنَ الظنِ بالله" فهو أحَدُ حقوق التوحيد وواجباته، ومعناه الجامعُ:" كلُّ ظنٍّ يليق بكمالِ ذات اللهِ –سبحانه- وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى":  فحُسنُ الظن بالله هو فرعٌ عن المعرفة بالله؛ فإنَّ العبد كلما كان أعظمَ معرفةً بالله وبأسمائه وصفاته، وأنه جل وعلا وسع كلَ شيء رحمةً وعلما، وأنه سبحانه غافر غفورٌ غفار، رحيم توابٌ كريم، جوادٌ محسِن لطيف، بر واسع الفضل والإحسان والمغفرة ، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ولا يتعاظمُه ذنب، وأنّ يَدُه مَلأَى لا تغيضُها نفقة، سحّاءُ [أي :دائمة الصب والْهَطْل بالعطاء ] لَّيلا ونّهارا، وأنّ يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء،وأنه سبحانه ‌يحب ‌الجود والبذل والعطاءَ والإحسان للناس أعظم ممَّا محبة الناس لأخذ العطايا من الله، إلى غير ذلكم من صفات الله العظيمة ونعوته الجليلة العلية.

عباد الله : لقد أكَّد النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل موته على حسن الظن بالله لعظيم منزلته، قال جابر -رضي الله عنه-: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" (رواه مسلم).وفي الحديث القدسي يقول صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّهَ -عز وجل-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنّ شَرًّا فَلَهُ".

فمَن ظنَّ باللهِ تعالى أنّه يَكفيهِ إذا صدَقَ التوكّلَ عليه :كفاهُ اللهُ ولا بُدّ، ومَن ظنّ باللهِ أنّه يقبلُه إذا صَدَقَ التوبةَ إليه قَبِلَهُ اللهُ ولا بُدّ، ومَن ظنّ باللهِ أنّه يَشكرُ لهُ عملَه إذا أحسنَ عبادتَه، شَكَرَ اللهُ لهُ عملَه الحسَن ولا بُدّ. ومَن ظنّ باللهِ أنه يخلف عليه ما أنفقه لله كما وعد الكريم سبحانه :أخلف الله عليه ولا بد .

 وأمّا مَن ظنَّ باللهِ أنّه سبحانه يَخذُلُ مَن توكّلَ عليه، أو لا يَقبَلُ مَن تابَ إليه، أو لا يَتَقَبَّلُ عَمَلَ مَن أحسَنَ عبادتَه، أو ظن بالله أنه إذا ترك شيئاً من أجله لم يعوضه خيراً منه، أو أنّ من فعل شيئاً لأجله لم يعطه أفضل منه، أو ظن بالله أنه إذا صدَقَه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به: أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن بالله ظن السَوء، وكانت عاقبتُه حينئذٍ أنْ يُوقِعَ اللهُ عليهِ ما ظنَّه به جزاءً وِفَاقًا.

عباد الله :حسنُ الظن بالله معدودٌ في أعظم المنن ، وأجل العطايا؛ قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه :"وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ -عز وجل-، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ بِاللَّهِ -عز وجل- الظَّنَّ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ -عز وجل- ظَنَّهُ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَيْرَ فِي يَدِهِ".

ونقل ابن كثير في تفسيره عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا الظَّنُّ بِكَ ،فَيَقُولُ أرحم الراحمين: فَمَا كَانَ ظَنُّكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْ تَسَعَنِيَ رَحْمَتُكَ قَالَ: فَيَقُولُ أَرْسِلُوا عَبْدِي ".

وعلى هذا كان السلف الصالح ، قال حماد بن سلمة رحمة الله: «ما يسرني أن أمري يوم القيامة إلى أبوي  .  و قال سفيان الثوري -رحمه الله -: " مَا أُحِبُّ أَنَّ حِسَابِيَ [   يعني مجازاتي على الحسنات والسيئات يوم القيامة]  جُعِلَ إِلَى وَالِدَيَّ؛ رَبِّي ‌خَيْرٌ ‌لِي ‌مِنْ ‌وَالِدَيَّ " .   وكان من دعاء سعيد بن جبير -رضي الله عنه-: "اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك".

عباد الله: حُسنُ الظن بالله لا يكون مع التفريط والإضاعة والإسراف في الملاذ والشهوات، وإنما يكون مع حُسنِ العمل وتمامِ الإقبال على الله -جل وعلا-، وأما المسيءُ المضيِّع المفرِّط المرتكب للمحرمات والمقترف للآثام، فإن آثامَه وخطاياه تحول بينه وبين حسنِ الظن بالله، قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إنَّ المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإنَّ الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل".  

عباد الله : أقول هذا القول.....

أما بعد :فإنَّ من شر الذنوب وأعظمها سوءَ الظن بالله -جل وعلا-؛ فإنَّ الله -عز وجل- ذكر سوءَ الظن به وصفًا للمشركين والمنافقين، يقول ابن القيم:" ولم يأت في القرآن وعيدٌ على ذنب كما جاء من الوعيد على سوء الظن بالله -جل وعلا-" قال الله -تعالى-: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). قال ابن القيم رحمه الله :" وأكثر الناس يظنون بالله ظن السَوء، فيما يختص بهم، وفيما يفعله الله بغيرهم ،كمن يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربى، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريحِ به. ولو فتَّشتَ مَن فتشتَه لرأيتَ عنده تعتُّبًا على القدَر وملامةً له واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمُستقِلٌّ [ يعني من الاعتراض على القدر ومن سوء الظن بالله ] فمُستقِلٌّ ومستكثر، وفتِّشْ نفسك هل أنت سالم من ذلك؟

فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيَا

فليعتنِ اللبيبُ الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتُبْ إلى الله ويستغفرْه كلَّ وقت من ظنه بربه ظنَّ السُوء، وليظن الُسوءَ بنفسه التي هي مأوى كلِّ سوء ومنبعُ كل شرٍّ، المركَّبةْ على الجهل والظلم؛ فهي أولى بظن السَوء من أحكم الحاكمين وأعدلِ العادلين وأرحمِ الراحمين، الغنيِّ الحميد الذي له الغنى التام والحمدُ التام والحكمة التامة، المنزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاتُه لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعالُه كلُّها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلُها حسنى.

  ثم ختم ابن القيم بقوله :ولا يسلم من سوء الظن بالله إلا من عرف الله وأسماءه وصفاتِه، ومقتضى حكمتِه وحمده ووعده الصادق.

أسأل الله أن يعلمَنا أنفع العلوم وأن يزكيَنا وينفعَنا بما علمَنا ،وأن يجعل قلوبنا طيبة نقية طاهرة ،ومحلا صالحا وأهلاً للعلم النافع إنه سميع مجيب

 

 

المرفقات

1768455452_خطبة جمعة حسن الظن بالله.doc

المشاهدات 182 | التعليقات 0