خطبة في الحث على الزواج وتسهيل أمره

صالح محمد السعوي
1447/08/02 - 2026/01/21 17:06PM

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة في الحث على الزواج وتسهيل أمره

 

بقلم وتأليف/ صالح بن محمد السعوي

 

الحمد لله الذي جعل الزواج من سنن المرسلين، والتزم به أتباعهم من المؤمنين.

أحمده تعالى أن خلق الأنفس من زوجين اثنين.

وأشكره سبحانه وهو الذي يمن بالمزيد للشاكرين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المرسلُ رحمة للعالمين.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واتقوا ربكم الذي أنعم عليكم بأن شرع زواج الذكور بالإناث وأمر بالزواج وجعل له حداً لا يجوز تجاوزه إلا ما كان مما ملكت الأيمان.

قال الله عز وجل: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)) [النساء الآية 3].

وأمر صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج إن استطاعوا إليه سبيلاً.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ فإنَّه له وِجَاءٌ " متفق عليه

وأمر عليه الصلاة والسلام باختيار الزوجة، عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "تزوَّجوا الودودَ الوَلودَ فإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأممَ" رواه أبوداود والنسائي وهو صحيح لطرقه.

وجاء التوجيه بأن المرأة تنكح لما تتميز به من غنى وحسب وجمال ودين، قال سبحانه: ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه)) [النساء الآية ٣٤].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" متفق عليه.

والزوجة الصالحة خير متاع يتمتع به الرجل المسلم في هذه الحياة الدنيا.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" رواه مسلم.

عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "ما استفاد المؤمنُ بعد تقوى اللهِ خيرًا له من زوجةٍ صالحةٍ: إن أمرها أطاعتْه، وإن نظر إليها سَرَّتْه، وإن أقسم عليها أَبَرَّتْه، وإن غاب عنها نَصَحَتْه في نفسِها ومالِه" رواه ابن ماجه.

والزواج وسيلة لاستكمال نصف الإيمان، والوصية بالنصف الباقي.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا تزوَّجَ العبد فقد استكمل نصفَ الدين، فلْيتقِ اللهَ في النصفِ الباقي" رواه البيهقي في شعب الإيمان وهو حديث حسن لطرقه.

والبركة في النكاح بتيسير أمور تكاليفه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: "إن أَعظمُ النكاحِ بركةً أيسرُهُ مؤونةً" رواه البيهقي في شعب الإيمان.

وأمر رسول الله ﷺ أولياء أمور النساء بتزويج مولياتهم، عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا خَطَب إليكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَه وخُلُقَه، فزَوِّجُوه. إلا تفعلوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ" رواه الترمذي وهو حديث حسن.

والله سبحانه يمد بالعون والتيسير والكفاية والغنى لمن يقدمون على الزواج.

قال الله جل وعلا: ((وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [النور الآية ٣٢]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثةٌ حقّ على اللهِ عونهُم: المكاتبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ، والمجاهد في سبيلِ اللهِ" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وإسناده حسن.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: ((إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ)) انتهى.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: التمسوا الغنى في النكاح انتهى.

عباد الله إن الأنفس البشرية من الذكور والإناث يهوون الزواج ويرغبون فيه، لهذا فإنه يتأكد في حق المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم على رحمة الشباب والشابات الذين لم يتمكنوا من الزواج بأسباب من أهمها المغالاة في المهور والتحمل في إقامة الولائم التي يتجاوز بها حد الاقتصاد، ويسلك بها نهج السرف في الولائم وما يرتبط بهما.

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سأَلتُ عائشةَ رضي الله عنها: كَم كانَ صداقُ النَّبيِّ ﷺ؟ قالَت: كانَ صداقُهُ لأزواجِهِ ثنتَي عَشرةَ أوقيَّةً ونَشًّ، قالت: أتدري ماالنَّشُّ؟ قلت: لا. قالت: نِصفُ أوقيَّةٍ، فتلك خمسمائة درهمٍ. رواه مسلم.

وتولى رسول الله ﷺ عقد زواج امرأة من رجل على صداق تعليمها ما معه من القرآن.

وأقر زواج امرأة بصداق نعلين، وعلى صداق إسلام خاطب المرأة.

عن أنس رضي الله قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت: إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينها. رواه النسائي وهو حديث صحيح.

اللهم وفقنا جميعاً للأخذ بالاقتصاد وتيسير أمور الزواج، وأعنا على مجاهدة النفس والهوى والشيطان، وأصلح الزوجات والأولاد وجميع المسلمين. 

اللهم أصلح إمامنا واحفظه وانصر به الدين، وأصلح ولي عهده والعلماء والأمناء والحراس والمستشارين وشد أزره بهم يا رب العالمين.

أعوذ بالله من الشيطان الرحيم: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم الآية ٢١].

 بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

خطبة أخيرة في الحث على الزواج وتسهيل أمره

 

الحمد لله الذي جعل البركة في الزواج تخفيف مؤنة النفقات والتسهيل والتيسير في المتطلبات.

أحمده تعالى وأثني عليه مدى اللحظات.

وأشكره سبحانه ومن حقق الشكر غنم الزيادات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي بفضله تتم الصالحات.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي بلغ أفضل الرسالات.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي التنافس في فعل الخيرات وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتذكروا عظم المصالح في تسهيل أمور الزواج، وتذليل الصعاب والتخفيف من العوائق والعقبات التي تكون من أكبر الأسباب في تأخر زواج الشباب والشابات، ومن المعلوم أن غلاء المهور، وإقامة حفلات الزواج من أهم العوائق عن الزواج وكثير من الشباب من تخلو أيديهم من المال والزواج في حق من سبق له البلوغ ضروري لكلا الجنسين الذكر والأنثى.

وكيف يرضى بغلاء المهور وتحمل نفقات التجهيز والحفلات، من يعلم يقيناً أنها مكتسبة من الإعانات وسؤال الناس أموالهم، بل كيف يرضى بهذه التحملات وهو يعلم أن أكثر بيوت المسلمين فيها أعداد من البنات اللواتي تأخر زواجهن.

والسبب عدم تحقيق التعاون على البر والتقوى من الجميع، بينما التخفيف تعود مصلحته لأبنائنا وبناتنا، ومن أراد أن يأخذ بسنة الوليمة فليتأسى برسول الله ﷺ حيث أولم على بعض نسائه بمدين من شعير" رواه البخاري

وأعتق ﷺ صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها وأولم عليها بحيس" متفق عليه.

 والحيس طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن.

عباد الله ارحموا ترحموا، فهؤلاء البنات المحتسبات في البيوت ممن تأخر زواجهن تضاعف في حقهن الرحمة وذلك بالحرص التام على تيسير أمور زواجهن بجميع وسائل التيسير.

ودعوا معشر الآباء والأمهات والأولياء المطامع الدنيوية والتعليلات الفارغة، والله ذكر أن الزوجات حرث للأزواج، وأنهن لباس لهم، وهم لباس لهن، وأن الزوج يسكن إلى زوجته.

والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، وخير الناس أنفعهم للناس، وخيركم من يرجى خيره ويؤمن شره.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد الذي هو بالمؤمنين رؤف رحيم.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الآل وجميع الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، واجعلنا ممن تبعهم ولزم هديهم يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الاسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلح ولاة أمورنا وكل من تولى للمسلمين أمراً، وخص إمامنا بالحفظ والتوفيق والعون والتسديد، وأصلح له البطانة من ولي عهده والعلماء وخيرة المؤمنين الصالحين المصلحين.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا، وعم بالصلاح الزوجات والذرية وجميع المسلمين.

اللهم حقق لنا الإيمان وثبتنا عليه، واحفظه لنا واحفظ قادتنا ورجال الأمن، واحفظ عليهم أعراضهم ودماءهم وعتادهم.

اللهم أغفر لنا وارحمنا وعافنا واعفو عنا واغفر لوالدينا ولمن أحسن إلينا، وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات والحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات.

المشاهدات 74 | التعليقات 0