من هم الصادقون المقرّبون؟ 27/7/1447
أحمد بن ناصر الطيار
الحمدُ لله العليمِ الحكيم، الغفورِ الرحيم، العظيمِ الحليم، الجوادِ الكريم، الذي عمَّ بريَّتَه فضلُه العميم، ووسِعَ خليقتَه إحسانُه القديم، وهدَى صفوتَه إلى صراطه المستقيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائمًا بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم, وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالآيات والذكرِ الحكيم، ففتَح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا؛ وهدى به من الجهل الذميم إلى العلم القويم، صلَّى الله عليه وعلى آله أفضلَ صلاة وتسليم, أمّا بعد، فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنّ الله تعالى أقام رجالًا صادقين لحفظ دينِه، وتبليغ رسالاته، ونصرةِ عباده، وجهاد أعدائه.
كما قال تعالى في مدحهم وذكرِ أوصافهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا}، {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}.
أحياهم الله ليحيي بهم دينه، ويُعلي بهم كلمته، وينصر بهم عباده، ويُذلّ بهم أعداءه، ويُقيم بهم الحجة على خلقِه.
قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}.
- غايتهم في حياتهم: تتبّع مرضاة ربهم، وغايةُ غيرهم اتباع أهوائهم..
قال تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}.
- يبحثون عما يكون به نصرٌ للإسلام ونفعٌ للمسلمين، وغيرُهم يبحثُ عما يُحققّ رغباتهم وشهواتهم..
- يتْعبون ليسلم دينُهم، وغيرهم يتعب لسلامةِ دنياه..
قال تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}.
- يبذلون أغلى ما يملكون – من المال والوقت والصحة – رغبةً وطمعًا في تحصيلِ الجنة الخالدة، والسعادة الدائمة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}.
وغيرهم يبذل أغلى ما يملك رغبةً وطمعًا في تحصيلِ الدّنيا الفانية، والسعادة المؤقتة الوهميّة..
- يُحبون ما تكرهه النفوس، ويكرهون ما تُحبّه النفوس، إذا كان فيه رضا محبوبهم..
قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
- رضوا بالله فامتثلوا أمرَه، ورضوا عنه فصبروا على أقدارِه.
- يرون المصائب موطنَ اختبار الله لهم، فيشكرونه ليقينهم بأنه أعلم بهم من أنفسهم، وأرحم بهم من أنفسهم، ويرى غيرهم المصائب موْطنَ ألم وفقْد، فيجزعون ويتسخطون.
وهؤلاء هم السابقون المقربون، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، نسأل الله أن نكون منهم..
ولقد وعدهم الله بالأمن التام يوم القيامة، وتوعّد من عصاه وأعرض عنه أعظم وعيد، قال تعالى: {أفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
يا لها من آية عظيمة.. ورسالة خطيرة..
أخبر ربّنا تبارك وتعالى أنّه لا يستوي من يُلْقَى في النار ليكون وقودَها وحطبَها، إلقاءً مهينًا مخزيًا، ومن يأتي آمنًا عزيزًا سعيدًا كريمًا يوم القيامة..
ثم يقول الله بعدها متوعدًا من عصاه: اعملوا ما شئتم.. وهذا غاية التهديد.. فإنك حينما تبالغ في تهديد أحد تقول له: افعل هذا إن استطعت..
ثم قال: إنه بما تعملون بصير.. فهو يراك حينما تعصيه، ويُحيط بك حينما تتجرأ عليه، ويسمعك حينما تتكلّم بما يُبغضه.
فإياك أن تعصيَ من يُبصرك، ويُراقب كلّ حركاتك وأقوالك وأفعالك..
اللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك، وطهر قلوبنا من إرادة غيرك، أنك سميع الدعاء.
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين, وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: معاشر المسلمين: لقد بيّن الله تعالى الفرق بين المتقين والمجرمين يوم القيامة، في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}.
"يخبر تعالى عن تفاوت الفريقين المتقين، والمجرمين، وأن المتقين له -باتقاء الشرك والبدع والمعاصي- يحشرهم إلى موقف القيامة مكرمين، مبجلين معظمين، وأن مآلهم الرحمن، وقصدهم المنان، وفودا إليه، والوافد لا بد أن يكون في قلبه من الرجاء، وحسن الظن بالوافد إليه ما هو معلوم، فالمتقون يفدون إلى الرحمن، راجين منه رحمته وعميم إحسانه، والفوز بعطاياه في دار رضوانه، وذلك بسبب ما قدموه من العمل بتقواه، واتباع مراضيه، وأن الله عهد إليهم بذلك الثواب على ألسنة رسله فتوجهوا إلى ربهم مطمئنين به، واثقين بفضله.
وأما المجرمون، فإنهم يساقون إلى جهنم وردا، أي: عطاشا، وهذا أبشع ما يكون من الحالات، سوقهم على وجه الذل والصغار إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة، وهو جهنم، في حال ظمئهم ونصبهم يستغيثون فلا يغاثون، ويدعون فلا يستجاب لهم، ويستشفعون فلا يشفع لهم".[1]
اللهم توفّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك ربنا رؤوفٌ رحيم.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى, وإمام الورى, فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات, اللهم فرِّج همومهم, واقض ديونهم, وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
[1] - تفسير السعدي (ص500)
المرفقات
1768449189_من هم الصادقون المقرّبون.pdf