عناصر الخطبة
1/الاعتصام بالكتاب والسنة 2/تكفل الله بحفظ القرآن 3/كتابة السنة وجهود المحدثين في حفظها 4/خطورة تناقل أحاديث موضوعة وضعيفة 5/نماذج لأحاديث ضعيفة ومكذوبة 6/علامات الحديث الضعيف والمكذوب.اقتباس
وإذا كان هذا لكتاب الله، فإن سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأقواله هيَّأ الله لها من الحُفّاظ والمحدثين مَن يميزون صحيحها من ضعيفها، وسليمها من سقيمها. ولقد مرت أزمان سعى البعض للدسّ والوضع على السنة فروَّجوا لأحاديث مكذوبة، ونشروا بين الناس أخباراً موضوعة، ولكن ذلك الكذب لم يكن ليروج على العلماء الذين أفنوا أعمارهم في هذا المجال...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....
وَحْيَان وسَبيلان، متى تمسكت بهما الأُمَّة نجت ورقت، كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فأما القرآن فلقد تكفَّل الله بحفظه فلا يقدر أحدٌ أن يُدخِل فيه حرفاً، بل ولا أن يُغيِّر فيه حركة، فظل القرآن وعلى مرِّ القرون وبالرغم من كثرة كيد الكائدين، لم يقدرْ بل ولم يفكر أحدٌ بالتحريف في القرآن.
روى يحيى بن أكثم: أن المأمون دعا يهودياً إلى الإسلام ووعده أن يعطيه ويجزل، فأبى، ثم جاء بعد سنة مُسلِمًا، فسأله المأمون: كيف أسلم وكان قبلَ ذلك يأبى؟ وما كان سببُ إسلامه؟ فقال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنا حسنُ الخط فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُرِيت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتب ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فكل مَن نظر فيها رمى بها ولم يشترها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.
وإذا كان هذا لكتاب الله، فإن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأقواله هيَّأ الله لها من الحفاظ والمحدثين من يميزون صحيحها من ضعيفها، وسليمها من سقيمها.
ولقد مرت أزمان سعى البعض للدسّ والوضع على السنة فروَّجوا لأحاديث مكذوبة، ونشروا بين الناس أخباراً موضوعة، ولكن ذلك الكذب لم يكن ليروج على العلماء الذين أفنوا أعمارهم في هذا المجال، وقد ذكر الذهبي أن هارون الرشيد أمر بقتل زنديق من الزنادقة فقال حين أُخِذ ليقتل: أين أنت من ألف حديث وضعتُها. فقال الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، ينخلانها ويخرجانها حرفًا بحرف؟
وفي القديم والحديث نافح العلماء عن السنة وألفوا مصنفات في الموضوع والضعيف تَذُبّ عن حِياض السُّنة.
ولكن، ومع كل هذا يدخل على الناس في بعض الأحيان أحاديث موضوعة وربما أحاديث ضعيفة ساقطة، ولربما رأيت بعض الناس بدافع حبّ الخير ينشرها ويتناقلها، وفي صحيح الأحاديث غنية عن الخوض في ضعيفها وموضوعها.
وإنما دخل الخلل على الناس حينما قلّ العلم بالسنة، فتناقل البعض هذه الأحاديث على أنها من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فصار الأمر كما قال ابن الجوزي: "خلف خلفٌ لا يفرقون بين صحيح وسقيم، ولا يعرفون نسراً من ظليم، يحدثهم القاص والجاهل بأحاديث فإذا أُنكِر عليهم قالوا سمعنا الشيخ يقول كذا، أو قرأنا في الكتاب كذا".
وفي هذا السياق فثمة مقولات تنقل على أنها أحاديث، وهي لا تصح، ولئن صح معنى بعضها، إلا أن صحة المعنى لا تسوغ لنا أن ننسبها إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.
ومن ذلك "النظافة من الإيمان" من مقولات العامة، و"آخر الدواء الكي" من أمثال العرب، و"خير البر عاجله"، و"أنفق ما في الجيب يأتك ما في الغيب"، و"بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين"، و"لا تُظهِر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك"، و"اختلاف أمتي رحمة"، و"ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار"، و"الدين المعاملة"، وكلها ليست بأحاديث.
ومن ذلك: أحاديث تُنقَل في زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وفضلها، وذمِّ من تركها، يتناقلها البعض، وربما ذُكِرت في بعض كتب المناسك، وقد تكلم المحققون عنها، وبينوا بالتفصيل ضعف هذه الأحاديث، كمثل "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، "من حج ولم يزرني فقد جفاني"، "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي".
قال ابن تيمية: "ليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره -صلى الله عليه وسلم- حديثٌ صحيح عند أهل المعرفة، ولم يُخرِّج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك، ولا أرباب السنن المعتمدة، قال: وليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، بل موضوعة".
ومن ذلك: ما يُنقل في زيارة قبر الوالدين يوم الجمعة "من زار قبر أبويه أو أحدَهما في كل جمعة غفر له وكتب براً"، وهو حديث ضعيف جداً، بل حكم عليه بأنه موضوع.
ومن ذلك: الغضب ممن الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" حديث ضعيف، والثابت عند الغضب الاستعاذة من الشيطان وتغيير الحال.
ومن ذلك: مقولة "ليس لفاسق غيبة"، لا أصل له، ولا يصح، وكم توسع البعض أخذاً بهذا، فبدأ يغتاب بعض أهل الفسق، فإذا اعترض عليه قال: "ليس لفاسق غيبة"، والصحيح أن الفاسق يجوز الحديث عنه بقدر ما يكون فيه التحذير من فسقه وفعاله، أما أن يتخذ ذلك ذريعة للتحدث عنه بغير هذا فلا يجوز.(المنار المنيف: 102).
ومن ذلك: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، منكر لا يصح، ويغني عنه ما ورد "فالزم قدمها فثم الجنة".
ومن ذلك: أحاديث الأذان في أذن الصبي والإقامة في الأخرى، ضعف أكثر أهل العلم الأحاديث فيها.
وكل ما ورد في الديك فهو ضعيف، إلا حديث "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله"؛ قاله ابن القيم.
وكثير مما يذكر في فضل آل البيت فهو ضعيف، وفي ذلك أحاديث صحيحة، قال الخليلي: وضعت الرافضة في فضائل علي -رضي الله عنه- وأهل البيت نحو ثلاث مئة ألف حديث، قال ابن القيم معلقاً على كلامه: "ولا تستبعد هذا فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال".
ومن ذلك: ما ذكر في فضل ليلة النصف من شعبان، وأن الله يغفر فيها لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، حديث ضعيف، وكذا حديث الحثِّ على قيامها وصيام يومها، وغيره مما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان هي أحاديث تتابع الأئمة على تضعيفها، والحكم على بعضها بالوضع، ونبه العلماء على أن الاحتفال بها وجعل عبادة خاصة بها هي بدعة محدثة في الشرع، قال ابن باز: وقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، وأما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع كما نبَّه على ذلك كثير من أهل العلم.
وهنا يتبين لك خطر انتشار الحديث الضعيف، فكم من الفتن قامت، ومن البدع انتشرت بسبب خبر موضوع، أو حديث باطل ضعيف جداً، كي تعلم حينها أهمية التحرز والتحري فيما ينسب للمصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده....
أما بعد: وحين نتحدث عن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما صح منها وما لم يصح، فيحسن التنبيه على عدة أمور:
أولاً: أن العلماء ذكروا علامات يعرف بها كون الحديث موضوعاً لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وساق ابن القيم جملة منها.
فمن ذلك: اشتمال الخبر على مجازفات لا يقولُ مثلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا سيما في ذكر فضائلِ عمل معين، قال ابن القيم: كمثل قول: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له..."، وغيره من المجازفات الموضوعة.
ومن ذلك: تكذيب الحسِّ السوي له، وربما زاد مع ذلك سماجة الكلام وبُعدُه عن ألفاظ النبوة، وكونُه لا يشبه كلام الأنبياء، ككثير من الأحاديث الواردة في أنواع من الأطعمة، كمدح الرز، ومدح العدس والباذنجان والهريسة والحلبة والبطيخ والفول وذم الجبن والجرجير أو في ذم حِرَفٍ معينة.
ومن ذلك: أن يكون في الحديث تاريخ كذا، قال ابن القيم: "وهي أحاديث التواريخ المستقبلية، وهي كل حديث فيه: إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وقع كيت وكيت، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم.
ثانياً: أن المرء يجب عليه التحري قبل التحديث بحديث، أو إرساله لأحد، هل هذا الحديث مما يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو هو مما لا يصح، فإن كان جاهلاً بحاله فعليه أن يسأل، وإن علم أنه ليس بحديث ومع هذا حدّث به أو أوصله لغيره على أنه حديث، فالأمرُ خطير، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
وثالثاً: أن حُسن النية وطلبَ الخير لا يكفي؛ لأن يتناقل الناسُ الحديث الموضوع أو الضعيف الساقط، فكم تسمع من يقول: إن هذا فيه تخويف، أو ترغيب للناس على الخير، وأنا لم أُرِد بذكره إلا الخير، ويقال: إن في صحيح الأحاديث غنيةٌ وكفاية، ومن لم يُرغِّبه ويزجره ما صحّ من السنة فلن تزجره الأحاديث الباطلة والموضوعة.
ورابعاً: أن التصحيح والتضعيف صنعة ليست لعوام الناس، ولا يجوز أن يلج فيها من لم يمتلئ عقله علماً بالشريعة ومعايشة السنة، يقال هذا لأنك راءٍ متطاولين على السنة مِن كُتَّابٍ ومُتعالمين يضعفون بعض الأحاديث بحجة أنها تخالف الواقع الحديث أو أنها لا تدخل العقل، والحقُّ أنها إنما تدخل العقول السوية لا العقول المنحرفة.
وبعد معاشر الكرام: فإذا كان التحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه فضل، فإن الذبَّ عن سنته وتصفيتَها فيه الفضل العظيم، لا سيما عند شيوع الموضوع والضعيف، فليكن لك من هذا الباب نصيب، وإلا فلا تكن سبباً في نشر خبر ساقط أو موضوع، وقد قال: "إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد".
اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم